المرء الذي لايعرف طاقاتِه، وإمكاناته إنسان يتجاهل ذاتَه قبل أن يتجاهلَه النّاس بعيدا عن كلّ ما يتّصف به من مَلكات ومواهب وقدرات. ومن الأَولى ألاّ يعرفَ ما يدورحوله إذا كان جاهلا ذاته. وإن ادّعى المعرفة فهو إنسانٌ يمكر بنفسه ، ويوقع بها، وبمنْ حوله. يوقعهم بتبعات جهله وتجاهله.
وهذا الأمرُ ببساطته ووضوحه ، ينعكسُ بشكلٍ جليّ وخطير على المجتمع المتشكّل بالأساس من مجموعات متعدّدة الجوانب والأهواء والاتجاهات. والواجب يدعو إلى تجميع الآراء وإعادة صياغتها، ليتشكّل ما يسمّى حالة الانتماء للأسمى والأهمّ.
هذا في حال قراءة النّفس، وفكّ ألغازها، ومعرفة مساراتها ومسارات ما يحيط بها، هذا العالم المحيط بنا جاذب وسالب وآسرٌ ،ومؤثّرٌ بنا، وبالآخرين الذين يرسمون مسارَه للتأقّّلم والتفهّم بحثا عن مساحة وفضاءٍ ، يجعلهم في منعة وحصانة من الضّياع أمام ثورة العولمة الطاغية والممتدّة في كلّ الجهات. أمام عالَم قادر على نزع الخصوصيّات، وغسل الهُويّات، وقادر على نزع ما تبقّى من ثوابت وعلاقات نتغنّى بها رغم اضمحلالها .
عالَم يقدّم لك مغريات الحياة الماديّة لمّاعة براقة،عالم أوشك أن يلغي المطابخ، وراح يلغي جاذبيّة الأم وهي في مطبخها ، تزهو بأنوثتها واكتسابها الأسري والاجتماعي. فماتت الكثير من الأطعمة والعادات الأسريّة في المناسبات ، تلك التي أضحت على شفاه من يعدّون ما تبقّى لهم من أيّام .وافتقد الأطفال كيمياء الحنان الداخليّة وعُوِّض عنهابالشّغّالات والمربيّات والحليب الاصطناعي.
بالمختصر المفيد أنت أمام عالَم يُنسيك نشأتَك وأهلَك و طعامك وشرابك، وكلّها من عمل والدتك والجيران في طقوس المونة . أراك قلقَ النّفس خائفا من أيّ نقصان وحرمان، وكأنّ الموت حلّ لا محالة. ولنا أن نتصوّرَ الأزمات التي سوف نفتعلها ونقع في سراديبها،لا شكّ من أهميّة ما هو مفقود، والأهمّ حسن التعامل مع الموجود والراهن، وحسن التصرّف والوعي في غيابه وندرته. وكأنّني أرى الحياة اقتصرت على اللّقمة وغرفة الضّيوف والسّيارة والمزرعة والشّغالة وتسجيل الأولاد في الأندية والمكاتب ،ولا أرى مانعا بالأساس من وجودها، ولكن في إطار الممكن والمتاح والمفيد للمجتمع. أنفر من كلّ ما ذكرتُه إذا كان مسبّبا للقلق والمتاعب والخوف، وإذا كان مضيّعا للصلابة والرجولة ، وإذا كان مسبّبا في موت الحسّ الإنساني لدى الشّرائح المريضة التي تستغلّ حاجاتي الأساسية دون رادع من ضمير او خوف من قانون .
هذا العالم عرّى الكثير من أساليبنا، وصادر الكثير ممّا اكتسبناه ودعَوْنا إليه تربية وعلما وسلوكا. ولك أن تنظر وتتأمّلَ محيطنا بشكله الماديّ فحسب، ولك أن تجمع ماقيل وولِّد من أمثال وأقوال حديثة ، وهي ابنة ظروفها. لترى وتلتقط بإحساسك الصورة القاتمة التي افتقدت الحسّ الإنساني لدى قسم لا بأس به.
إنّ الشّعب الذي لا يقدر على مصارحة نفسه، ولا يقدر على مواجهة الحقيقة ، بل يتهرّب منها بوضع المبرّرات التي تسوّغ له ارتكاب وممارسة كلّ السلبيّات مستندا إلى ذرائع واهية . ولا يتجرّأ على وضع النقاط على الحروف، ويتضايق ممنْ يضع له بعضها أمامه، ولأسباب كثيرة ممتدّة في صفحات تاريخنا الطويل، فلا ترانا نبحث عن مسار الحقّ ، وإن بحثنا فإنّنا نغرق ونغرقه بالتنظير والتقسيمات والتفرّعات. وأقولها دون تردّد : يحافظ على الفوضى المستفيد من الفوضى بل ربّما يخلقها، ويبتكر الأساليب لها. لقد تبنّينا مختلف الأمراض الاجتماعية بالإضافة للموروث منها ، ورحنا نخدع أنفسنا، لنجد المبرّرات.
بمثل هذا الواقع المرير والمعتم ، والذي يحملنا إلى متاهات مخيفة، يتطلّب منّا أن نضع بصيرتنا قبل بصرنا، وروحنا قبل أيادينا على موطن الداء، نبوح به ونصفه دون خوف، و نتحسّسه بصدق العارف المعاني ، قبل أن نذوب مع ارتفاع درجة التجاوزات، نحن بحاجة للبحث عن مواقف صلبة، وعن عمليّات جريئة، ونحن بحاجة لاستئصال الكثير من الأورام في سبيل الحفاظ على شخصيتنا وهويتنا. وهذا لن يكون إلاّ بحسن النّوايا، ولن يحصل إلاّ بالتخطيط السّليم الذي عليه أن يتوخّى بناء إنساننا الذي تعرّض لكثير من التهميش والتضليل، ولكثير من اللوثات المستوردة التي دفعته للتخلّي عن حسّ الانتماء والمواطنة الصالحة، والتي أودت به إلى نهج كلّ السبل الشيطانية لبناء ثروته وتجميع مغانمه ولو على حساب الوطن أو عامة الناس.
كي نعيد ما افتقدناه علينا ألاّ نلجأ للترقيع، وألاّ ندور في نفس الحلقات المفرغة ، بل علينا أن نمسك الأمور الجوهرية من بدايتها، ولن يكون هذا بين يوم وليلة، ولن تراه أمامك بالدّعاء فحسب، ولن يكون على حساب فئة دون فئة. وهنا يأتينا السّؤال التالي:
هل نقدر على ذلك ونحن لا نحاول معرفة ذاتنا؟ وهل نقدر على ذلك ونحن لا نحسن وضع الأساس السّليم ؟ وهل حاولنا محاولات جادّة قبل ذلك ،؟ وإذا كان الجواب بكلمة نعم فلماذا لم ندرك ولم نصل إلى غاياتنا؟ ولماذا لم نحاسب ذاتنا بعد ذلك؟
هذه الأسئلة برسم التفكير، وبرسم العمل، وهي تصبّ في مسار الكلام السّهل، والتنظير المجّاني حتى ترى سبُلَ العمل بصمت ودراية ولنا بتجربة ماليزيا خير مثال..
مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية
الكاتب محمود محمد أسد