كنــا ثلاثتنا نركض معاً…
كـان أبي في الأمام يتقدمنا، وخلفه كانت أمي تركض على نفس مواقع خطواته، ووراءهما تماماً كنت أنا.
كنا نركض هلعين في دروب المخيم الضيّقة نقصد الهروب من المخيم للنجاة بأنفسنا بعد أن تحّول المخيم إلى كتلة من اللهب وبات قطعة من الجحيم المتفجر، كما هو حال القطاع كله.
كنا نركض لاهثين، والخوف يفوح من عيوننا كمارِدٍ رمادي بلون السماء المُخضَّبة بسحبٍ ربيعية تتوغل نحو الأفق البعيد وتتوجَّه إلى البحر المتمردة أمواجه بصخبها المعهود.
ومن هنا، حيث نحن نركض، كنا نرى السحب بوضوح وهي تختلط بكتل الفوسفور الأبيض المتهاوية مثل قناديل البحر القاتلة.
كان الصباح الباكر ينشط هادئاً، تلفعنا بُرودتُه المختلطة برائحة الأرض وتلف خوفنا المُطل من عيوننا وهي تبحث عن دربٍ إلى خارج المخيم الملتهب بالقذائف.
– ألــم يكن من الأشرف لنا لو أننا بقينا في الدار مثل كثيرين غيــرنا ؟!..
قالت أمي ذلك وهي تلهث مُتابِعةً الركض بيني وبين أبي.
ولم تتلقَ رداً من أبي، الذي اكتفى بالإشارة إلى السكوت دون أن يلتفت خلفه، وكأنه يتستر بصمته ولهاثه ونحن نتابع الركض دون توقف.
لما وصلنا إلى قمة الرابية المواجهة للمخيم، توقفنا ثلاثتنا نلتقط ما نستطيع من الأنفاس.
التفتنا معاً نحو المخيم، فبدت البيوت مجتمعة إلى بعضها ومتراصة وكأنها تلوّح لنا مودعة بحزنٍ وألمٍ معاً، فقط لأننا آثرنا هجرها وتركناها تتلقى القذائف الطافحة بحقد عنصري أسود، وتقاوم الانفجارات بصلابة وثبات.
– أنا لا أجد سبباً واحداً يدفعنا إلى الهروب… إنها ليست المرة الأولى التي نواجه القذائف فيها… كنا نصمد رغم ضعفنا، لكننا اليوم أقوى وهناك أبناؤنا يفعلون كل شيء للمقاومة… تعالوا نرجع إلى دارنا ونواجه أقدرانا بعزيمة وإيمان، فلا يمكن للإنسان أن يهرب من قدره.
عادت أمي تقول مقاومة الدموع في عينيها، بينما كان أبي لا يشيح بنظره عن بيوت المخيم ويتأملها بألم ظاهر. أطلق تنهيدة من أعماقه وحثنا على متابعة الركض بحثاً عن خلاص أو أمان مفقود.
انحدرنا نحو الجهة المقابلة من الرابية لتُخفي المخيم وراءها، وفي الأسفل كنا نقطع السهل المحروثة أرضه.
كنا نركض وندوس الشقوق الجديدة، التي تحتضن البِذار برطوبتها. هربت السحب قليلاً نحو الشرق واندلقت من خلفها أشعة باهتة ومتكسرة من شمس خجولة، لتعتدل حرارة الطقس نحو الدفء باستحياء، بينما تابعت النسمات الواهنة لَسع وجناتنا ببرودتها وتمسح عيوننا التي تفيض بدموعٍ مفعمة بالخوف والحزن.
كنا نهرول لاهثين إلى لا مكان، وتعرجات السهل المحروثة أرضه حديثاً كانت مبللة وتتيح للتربة الرطبة أن تَعلَق بأسفل أحذيتنا، لتزيد من ثقل خطواتنا المثقلة بعدم رغبتنا وإرادتنا الطوعية في الهروب. كأن الأرض كانت تتشبث بنا وتستحلفنا أن نبقى فوق أديمها، كأنها كانت ترجونا وتتوسلنا أن ننغرس في تربتها، وأن نتجذّر فيها كما هي بيوتنا الصامدة.
كل ما على الأرض من بيوت وزهور ونبتات وأشجار وكل ما تحت الأرض من جذور وبذور كان يتمسك بنا ويستصرخنا للبقاء… وحتى الشمس، والنسمة على وجناتنا الباردة، كانت تنادينا للصمود والبقاء.
لكننا، أبداً، لم نكن ندرك النداء.
حين اعتدلت الدرب أمامنا، وصرنا على أرض جافة، فجأة انشقت الأرض أمامنا عن سيارة جيب صهيونية انتصبت في مواجهتنا. كانت أمامنا تماماً، ومحركها يجأر منتحباً بصوت صاخب يطغى على أصوات انفجارات المخيم.
كان فوق الجيب مدفع رشاش موجه نحونا، ووراءه يتمترس جندي تلتمع عيناه بحقد عميق. كانوا أربعة بلباسهم العسكري على صهوة الجيب. تجمدنا ثلاثتنا، وتوقفت أيدينا عن إزالة الطين. كانت قلوبنا تخفق بشدة، وترتعد، ويعلو ضجيج نبضاتها في أسماعنا حتى تكاد تغطي على صوت الجيب المنتحب.
– يا .. ياخواجا، نحن لا علاقة لنا بشيء… الرب وحده يعلم أننا قد غادرنا المخيم بثيابنا التي علينا..
رفع والدي كلتا يديه عالياً ويتقدّم نحو الجنود، بينما كنا نراقبه بتوجس وحذر. حاولت الكلمات الخروج من فمه ولكنه ارتجف بشدة:
– خرجنا من دارنا هناك، ولا نحمل أي مال أو حتى متاع… هه.. شوفة عيونكم.
الأم تدخل في المشهد بقوة غير متوقعة، لتدافع عن كيان الأسرة:
– اسمع يا هذا، أنت ومَن معك في هذه العربة الحقيرة… لقد واجهنا حقدكم أكثر من سبعين عاماً، ولن تخيفنا هذه الدمى التي في أيديكم الآن… إما أن تقتلونا ثلاثتنا معاً، أو تتركونا نمضي في طريقنا كما خرجنا مجتمعين من دارنا.
تتقدم بثقة نحو الأب لتقول:
– إثبت واقفاً كما عرفتك دائماً، وإذا كان الموت مكتوباً لنا في هذه اللحظة فلن نموت إلا ونحن واقفين معاً.
وفي النهاية، وبعد صراع مرير، يقرر الجنود التراجع، وتعود الأسرة إلى المخيم بسلام:
– كان شوقنا يدفعنا إلى الدار بين شموخ أشجار الزيتون والسرو والليمون وهي تتصدى لحقد قذائفهم دون خوف… وبكل صمود.
د.علي أحمد جديد