وجه يعيد ترتيب ملامحه للكاتب مبارك اسماعيل ودحمد

كانت تعيش في يقينٍ مطلقٍ بأنها جميلة…
لا، ليست جميلة فحسب، بل فاتنة!

منذ مراهقتها، كانت تظن أن المارّة يلتفتون إليها إعجابًا،
وأن زميلاتها في الجامعة يتهامسن غيرةً من ملامحها،
وأن كل رجلٍ يحدّثها يخفي خلف نظراته رغبةً مكبوتة.

لم يقل لها أحد يومًا إنها جميلة،
لكنها لم تحتج إلى ذلك؛
كانت تؤمن بجمالها كما يؤمن الناس بدياناتهم —
إيمانًا أعمى، راسخًا، لا يحتاج إلى دليل.

كل صباح كانت تقف أمام المرآة طويلًا،
تعدّل شعرها وتهمس لنفسها:
“اليوم سيحدث شيء مختلف…
لا بد أن أحدهم سيفهم ما فيّ من فتنة.”

لكن الأيام كانت تمضي…
والسنوات تزحف ببطءٍ مثقَلٍ بالخيبات.

لم يتقدّم أحدٌ لخطبتها.
الرجال يحيّونها بابتسامةٍ عابرة ويمضون.
وزملاؤها في العمل يعاملونها باحترامٍ رسمي لا أكثر.

ومع كل خيبة كانت تزداد اقتناعًا بأن الناس لا يجرؤون عليها
لجمالها الطاغي،
وأنهم يخشون الرفض أو السخرية.

هكذا بنت حول نفسها جدارًا من الأوهام،
وجعلت منه قصرًا تعيش فيه وحدها،
تزيّنه المرايا، وصور الماضي التي لا تشبهها
إلا في خيالها.

مرت العقود…
ووصلت إلى سنّ التقاعد وهي ما تزال في بيت أبيها،
لم تلاحظ كيف ذبل وجهها،
كيف انطفأ بريق عينيها،
وكيف رسم الزمن خطوطه القاسية على ملامحها.

وفي ليلتها الأخيرة، حين كان الاختناق يزحف إلى صدرها،
جلست أمام المرآة كعادتها القديمة.

حدّقت طويلًا…
لكن شيئًا ما بدا مختلفًا هذه المرة.

الوجه في المرآة لم يكن كما تذكره.
لم يكن جميلًا على الإطلاق.

جفونٌ متورّمة،
شفتان باهتتان،
بشرة مجعدّة بلا حياة.

تراجعت في ذهول وهمست:
“مَن أنتِ؟”

لكن الصوت الذي خرج من المرآة
كان صوتها هي،
يهمس ببرود قاسٍ:
“أنا حقيقتك.”

شهقت…
تحسست وجهها المرتجف…
وصاحت:
“يا إلهي… كم أنا قبييييحة!”

وفي الصباح، وجدوها ميتة أمام المرآة،
جالسة كما هي،
وعلى زجاج المرآة طبعة أنامل باهتة،
كأنها حاولت لمس وجهٍ
لم يكن موجودًا أصلًا.

أما المرآة،
فقد ظلّت بعد رحيلها
تعكس الغرفة خالية…
دون وجهٍ فيها إلى الأبد.

الكاتب مبارك إسماعيل ودحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *