الكتابة قضية للكاتب والناقد حميد بركي

 

الكتابة ليست زخرفةً للحروف، ولا وسيلةً للاستعراض، ولا تجارةً تُباع فيها الأفكار كما تُباع السلع في الأسواق، بل شهادةُ الإنسان على زمنه، وانعكاسٌ لروحه، وترجمةٌ لمبادئه وأخلاقه. الكاتب، الشاعر، الأديب، الفيلسوف، هؤلاء ليسوا أسماءً تتصدر الأغلفة، ولا أصواتًا تتردد في المحافل، بل هم ضمائر ناطقة، قلوبٌ تفكر وعقولٌ تشعر، وإن غاب الضمير، فماذا يبقى من الحروف غير الفراغ؟
ما نفعُ القلم إذا لم يكن له موقف؟ وما فائدةُ الفكر إذا لم يحمل رسالة؟ كم من كاتبٍ ملأ الدنيا ضجيجًا، ومع ذلك لم يترك أثرًا في الوجدان، وكم من شاعرٍ أبدع في الوصف، لكنه لم يكن صادقًا مع نفسه ولا مع الآخرين. فإنها وإن لم تخرج من القلب لا تصل إلى القلوب، والتي لا تحرك الوعي، تظل صدىً عابرًا في الفراغ، أن تكتب في الفكر، أن تؤلف الكتب، أن تتحدث عن الفلسفة والشعر واللغة والدين والفن، ليس هذا وحده ما يجعلك كاتبًا أو مفكرًا، بل أن يكون لكل حرفٍ تنطقه، أو تخطه معنى، أن تكون صادقًا مع نفسك قبل أن تكون بليغًا في حديثك، أن تحمل قضيةً وتؤمن بها، أن يكون قلمك نورًا لا أداةً للتضليل، أن تكون كلماتك مرآةً لإنسانيتك لا غطاءً نواياك.

في عالمٍ أصبح الإعلام فيه سلطةً تتجاوز الحدود، نرى بعضا يمر عبر القنوات الفضائية كما تمر المياه الآسنة عبر القنوات الصرفية، يتحدثون كثيرًا ولا يقولون شيئًا، يملؤون الفضاء بأصواتهم، لكنهم لا يتركون في العقول إلا الضباب، ليس كل من ظهر على الشاشة مفكرًا، وليس كل من كتب سطرًا في كتاب أديبًا. فالكلمات، وإن ازدانت بالبلاغة، لا تكون أدبًا إن لم تحمل روحًا، والأفكار، وإن زخرفت بالمصطلحات، لا تكون فكرًا إن لم تكن قائمةً على الصدق والبحث عن الحقيقة.

إن الكاتب الحقيقي هو من يحترم عقله وقلمه، من يكتب ليضيء العقول لا ليضلها، من يحمل المعرفة في قلبه قبل أن ينقلها إلى الورق. قد يكون الإنسان موهوبًا في التعبير، لكنه إن لم يكن نزيهًا في فكره، فلن يكون إلا صانع أوهام، يبيع السراب لمن يبحث عن الماء، وينسج من الكلمات غطاءً زائفًا لمن يطلب الحقيقة.

بين الكاتب الحق والكاتب المزيف حدٌ فاصل، لا يحدده عدد الكتب ولا الشهرة، بل تحدده المبادئ والمواقف. إما أن يكون الكاتب رسول معرفةٍ وسلام، يبني جسور الفهم والمحبة، يزرع الخير في النفوس، يوقظ الضمير الإنساني، يدافع عن الحق، ويقف في وجه الظلم، وإما أن يكون أداةً للفتنة والضياع، يسوّق الأوهام، يضلل العقول، ويتخذ قلمه وسيلةً لتحقيق المصالح الذاتية ولو على حساب الحقيقة.
الكتابة ليست عبثًا، وليست كلمات تُنثر في الهواء بلا هدف. إن من يملك القلم يملك سلاحًا أقوى من الرصاص ، فإن كان عادلاً صنع به حضارة، وإن كان خائنًا هدم به القيم والمبادئ. ليس كل من كتب اسمه على كتاب خُلد في ذاكرة التاريخ، فالتاريخ لا يحفظ إلا من كان صادقًا، ولا يرحم من اتخذ الكتابة قناعًا يخفي به وجهه الحقيقي.

القلم إما نورٌ أو ظلام، إما أداة بناءٍ أو وسيلة هدم، إما رسالة حقٍ أو بوق باطل. من يكتب بلا مبادئ، يكتب على ماءٍ سرعان ما يجف، ومن يكتب بلا صدق، يملأ الدنيا بالكلمات لكنه يظل بلا أثر. أنت وقلمك كيانٌ واحد، فإن كنت صاحب ضميرٍ حي، نطقت حروفك بالحقيقة، وإن كنت تلهث خلف الأهواء، بقيت كلماتك كالغبار، يعلو للحظة ثم يتلاشى مع أول ريح.

الكاتب والناقد حميد بركي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *