في جلسته بجوار السائق، عزف الجوال نغمته المفضلة، معلنًا عن اتصال:
- السلام عليكم؟
- وعليكم السلام، أين أنت؟
- في الطريق، قادم إليكم.
- أسرع! نحن هنا منذ ساعة.
- حالًا.
شعر بضيق شديد، بعد هذا الاتصال، وراح يتسلى بقراءة لافتات المحلات على الجانبين. بينما سأله السائق عن السبب في اختياره لتلك النغمة لأغنية “نجاة” (كل شيء راح)، لكنه لم يجبه، بالرغم من أنه سمع كلامه، إلا أنه لم تكن لديه رغبة في الكلام.
بعد قليل عزف الجوال النغمة الأثيرة لدى صاحبه. فمازحه السائق:
- رد على نجاة.
افتر ثغره عن بسمة باهتة، وأخرج الجوال من جيبه. امتعض لما طالع اسم المتصل.
- السلام عليكم.
- وعليكم، لماذا لم تأتِ؟
- الطريق مزدحم، لا تقلقي، سأحضر حالًا.
أغلق الجوال تمامًا حتى يريح نفسه. لكن السائق اقتحم عزلته:
- يبدو أنه موعد غرامي، (ثم ضحك كاشفًا عن أسنان صفراء).
- غرام؟ (نفثة حارة).
ثم أطرق كن يحادث نفسه:
- غرام؟ يا لها من كلمة تجمع التناقضات في أحشائها: (غرام، غرم، رمغ، رغم). السعادة في الأولى، والشقاء في الأخريات.
خلى الطريق من الزحام، زاد السائق من سرعة السيارة. ود “أنس” لو ترجع السيارة إلى الوراء، لو يتوقف محركها عن الدوران، أو يتوقف الزمن ويتجمد. لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
أمام محكمة الأسرة، وجدها هناك مع ابنهما “مهند”. كانت تقف على قدم، والقدم الأخرى تطرق بها في عصبية على الأرض، كأنما تريد أن تشقها شقًّا. ما إن رأته، حتى راحت تضرب أخماسًا في أسداس. عاتبته على تأخره، وعاتبها على اصطحابها ابنهما لهذا المكان. باغتته بقولها:
- ابني مهند رجلي، حين خلى البيت من الرجل.
ازدرد اهانتها في صمت، ودلفوا جميعًا إلى القاعة، واتجهوا نحو القاضي.
كان الشاهدان بالداخل، عرفهما، إنهما النمامان اللذان أفسدا عليه حياته، جاءا اليوم ليهيلا التراب على رفاته. لم يقنعا بما صنعاه من قبل، بل جاءا ليشهدا على سوء صنيعهما وما اقترفته أيديهما الآثمة.
كان السعاة يدورون بينهما؛ فيفسدون أكثر مما يصلحون، حتى تباعدت المسافة بين الزوجين، وبدأ الانفصال.
كان “مهند” يقف بين أمه وأبيه، ملتصقًا بأمه، كأنما ليحول بينها وبين أبيه. كان في تبلد مشاعره أشبه بتمثال صب من حجر. لم يتكلم، لم يعترض، لم يبدُ عليه الحزن.
كان الطلاق قرارًا فرديًّا، اتخذته “سلوى” بمفردها، أصرت عليه، ألزمت به “أنس”، والذي جاهد مرارًا ليثنيها عن عزمها، إلا أنه لم يفلح. وأمام إصرارها انصاع للأمر على كره منه ومضض.
طلب منه القاضي أن يوقع. أمسك بالقلم، شعر به سكينًا يمزق أوردته، تراجع في ذعر، اقتربت منه سلوى، اختطفت القلم من بين أصابعه المتشبثة به، كصقر يقتنص بمخالبه الفريسة، حتى كادت أن تكسر أصابعه. ووقعت على الأوراق في حمية من تريد إنهاء حياتها معه؛ فلم تعد تحتمل العيش معه أكثر مما احتملته.
بعد أن وقعتْ مطلقته، لم يكن أمامه إلا أن يوقع هو الآخر، مسدلًا الستار على قصتهما، بعد أن عزفت الموسيقا لحن الختام، وعليه أن يغادر مع مَن غادر.
التقط القلم في وهن، حاول أن يخفي ارتعاشة يده، على كل ورقة كان يوقع فيها، كان يشعر بنفسه تنسحب منه، كان ثمة شعور بأنه يوقع على شهادة وفاته.
بعد أن تم التوقيع بين الطرفين، تأبطت سلوى ذراع ابنها مهند، وخرجت من المحكمة تسابق خطوها، كانت حريصة على إخفاء دموعها، ما إن استقرت داخل السيارة التي كانت تنتظرهما، حتى انهمرت دموعها في غزارة؛ لتحيل خديها إلى جمرتين من اللهب.
بينما شعر أنس بالدوار، غامت الدنيا في عينيه، فألقى بنفسه على أقرب مقعد خارج القاعة، وراح ينتحب في صمت.
خرج الشاهدان، يجران خلفهما أذيال الخيبة، نظرا إليه ثم تهامسا، اقتربا منه حيث يجلس.
- أحدهما: لا تحزن يا “أبا مهند”، سوف يعوضك الله خيرًا منها.
- الآخر: الدنيا لم تفرغ من النساء، أشِّرْ أنت ونحن وراءك.
لم ينتظرا جوابه، وإنما راحا يعدوان كخيل ألهبت ظهورها السياط، تاركين الزوج الكسير كجثة هامدة.
خارج المحكمة كانت سلوى في انتظارهما، أشارت إلى ابنها “مهند”، فدس في أيديهما ورقتين فئة المائتين، سال لها لعابهما، فراحا يلهجان بالدعاء لها، حتى ابتعدت السيارة عنهما، دس كلاهما النقود في جيبه، وراحا يصفقان بأيديهما، كأنما ينفضان عنهما بعض الآثام:
- أحدهما: حاولنا كثيرًا الإصلاح بينهما.
- الآخر: إي والله، ولكنهما أصرا على الطلاق.
زم أحدهما شفتيه تأسفًا، بينما الآخر لا يزال ينفض يديه.
د.سعيد محمد المنزلاوي