زينة وأضواء، تحاكي في تألقها نجوم السماء، وعلى المسرح المزركش بالألوان والأضواء، اصطف كرسيان يضيء حوافهما شريط من المصابيح التي تنبعث منها أضواء مختلفة، وعلى درجات السلم الثلاثة صعدت العروس تتأبط ذراع زوجها، وتتهادى في مشيتها كزهرة الجوري تتمايل مع الريح فتزكم الأنوف بعبيرها الفواح. وكانت الموسيقا ترافقهما في تؤدة فتاة عروب لا تحسب للزمن حسبانًا. توقف موكب العروسين تحفهما حوريات يرفلن في ثياب بيض تزيد من تألق الموكب، وكأنه سرب من النجوم الزاهرة.
أخذ العروسان مجلسهما؛ لتبدأ مراسم حفل الزفاف وسط بهجة الأهل والأصحاب، والذين كانوا يتوافدون على العروسين للتهنئة وتقديم التمنيات والتقاط الصور التذكارية لتلك المناسبة السعيدة.
وهناك في الطرف القصي من السرادق، كنت تقفين وحيدة، كما جئت إلى الحفل وحيدة، كانت هيئتك تشي بمحاولتك التنكر في ارتدائك لزي رجل، وفي لفك الشال حول رأسك؛ تخفين به هويتك. وقفت بعيدة، بحيث تتمكنين من رؤية العروسين من حيث لا يريانك. رأيته مبتسمًا سعيدًا، وكأنه يعلم بوجودك ويريد إغاظتك. كانت عينه تحيط بعروسه في نشوة ووله، وكأنه لم ير قبلها امرأة قط.
ما الذي أعجبه فيها؟ إنها دونك في الجمال؟ فما سر تلك السعادة التي تتراقص في عينيه؟
وما بالها تحتويه بعينيها كسياج من فولاذ، وتدنو منه إلى حد الالتصاق به؟ وكأنها تريد أن تستأثر به وحدها، فلا يستطيع أحد أن يأخذه منها.
ماذا وجدتْ فيه حتى أقنعها بحبه، وما الذي وجده فيها حتى يؤثرها دونك؟
تُرى، هل كان يعرفها قبل أن يفارقك؟ وكيف ومتى كان يحادثها وتحادثه؟ هل كانا يلتقيان خفية دون علمك؟
إن نظرات العيون المتبادلة بينهما؛ لتفشي غرامًا آسرًا ينبع منهما كالماء النمير؛ ليروي ظمأ قلبيهما.
هل يعاملها أفضل مما كان يعاملك؟ لقد كان يحسن معاملتك، ولكنك لم تكوني تحبينه. هل لابد من الحب لاستمرار الحياة؟ ألم يكن بإمكانك أن تستمري معه؟ ولكن قلبك لم يعد يحبه. صحيح أنك كنت تحبينه من قبل، وإلا ما قبلت الزواج منه. ولكن ما الذي غير بوصلة قلبك، ونكَّس أشرعتك، فلم تعودي تحبينه؟ أليست تدخلات الأهل والجيران عندما فتحتِ الباب على مصراعيه حتى قوضتْ الريح العاتية خيمتك؟
أراك تشعرين بالندم، تشتاقين إليه، تعضين أناملك حسرة وتندمًا. اشتعلت في قلبك الغيرة، وددت لو تذهبين إليهما؛ لتصبي عليهما جام غضبك، لتحرقيهما بالنار التي تشتعل في قلبك.
كنت لا تطيقين رؤيته، فما بالك بعد طلاقكما تسترقين السمع إلى أخباره، وتتبعين خطواته، بل وتتشوفين لرؤيته؟
- آاااااااااه
ندت عنك تلك الصرخة شاقة جدار الليل؛ حتى ظننتِ أن كل مَن في الحفل قد سمعها.
وأراك الآن تتذكرين جلستك مكان عروسه، قبل سبع سنوات. تراءى لك المشهد كأنما كان بالأمس، أخذتك نشوة الطرب، وأنت ترين نفسك تجلسين بجانبه. هو هو لم يتغير، لا يزال على وسامته وشبابه وابتسامته التي لا تكاد تفارق شفتيه السمراوين، كاشفة عن أسنان لم يألُ جهدًا في العناية بهما، ما يجعلها حين يتكلم أو يبتسم، تشع نورًا يأسر به مَن حوله. كيف لم تدركي حلاوة ابتسامته وسحرها، عندما كان معك؟
كانت الموسيقا تعزف لحن الختام، وقد تأهب المدعوون لمغادرة الحفل الميمون. الآن يأخذ عروسه إلى مخدعهما؛ ليعيشا معًا شعورًا جميلًا، وتبيتين أنت بمفردك وحيدة في غرفة باردة، كل ما فيها ساكن، كل ما فيها كئيب.
تذكرتِ أول ليلة جمعت بينكما، كان كل ما فيها جميلًا، كان مغتبطًا بك، شعرتِ بحبه، بحنانه، باحتوائه لك بين ضلوعه كأنك بضعة منه. كان يضمك إليه بشدة كأنما يريد أن يسكنك مكان قلبه. كان طيب القلب إلى الحد الذي جعله يتحمل تقلباتك، ولكنكِ كنت ترين ذلك منه ضعفًا، وبدلًا من أن تحتوي قلبه الكبير، رحت تهونين من شأنه، وتتمردين عليه. وتمردك لا يتناسب مع رجل طيب القلب مثله.
كنت تدركين أن حياتك معه قصيرة، ولن تدوم طويلًا؛ لذلك لم تسعي للإنجاب منه. ولكن مع إلحاح زوجك والأقرباء، جاءت أول ثمرة لزواجكما توءمين؛ كأنما يعاقبك الله بهما، شقيت بهما ولا تزالين. أتنكرين أنه كان يساعدك في إعالتهما؟ أتجحدين دوره الكبير مع التوءمين، إنه لم يألُ جهدًا، ولم يقصر في واجباته كأب. بالرغم من جفائك معه.
كنت تشعرين بالفتور يسري بينكما، كانت الخلافات بينكما تنال من نصيب علاقتكما، كانت تلتهم القدر الأكبر من سعادتكما. ومع فتور العلاقة، بدأت المشكلات تطفو على السطح، وبدأ الانفصال الروحي والنفسي، ثم الجسدي؛ حتى أمسيتما غريبين، يغلق عليهما باب واحد، أو سجينين، أرغما قهرًا أن يظلا معًا في زنزانة واحدة، إلى أن تصدعت جدران ذلك السجن؛ لينطلق الطائر السجين إلى رحابة الحياة، ويفرَّ بعيدًا عنك؛ يتنسم وحده نسائم الحب، ويتركك وحيدة بين جدران السجن الباردة الكئيبة.
لم تمض على انفصالكما سوى أشهر قليلة، حتى عثر الطائر الطليق على إلفه، لا شك أنها طيبة كروحه الطيبة. كم هو جميل أن تتحد بتوءمك، أن تعثر على مَن يناسبك، وكأنه صُبَّ في قالب على مقاسك أنت.
الآن تذكرتِ توءميك، فرحت تنفضين عنك الغطاء، ذهبت إلى مخدعهما، تتفقدينهما. كانا نائمين في براءة، لم يشعرا بزواج أبيهما، كما لم يشعرا بتلك النار التي تتأجج في قلبك. كانا من البراءة بحيث استسلما للنوم، بالرغم من ضجيج الذكريات التي حرمتك من النوم.
مرت عليك الأيام باهتة بلا لون، يابسة بلا حياة. بعد سنة كاملة، منحته زوجه توءمين آخرين. تُرى هل سينسيه توءماه منها توءميه منك؟ دومًا يلح عليك أن يرى توءميه، ودومًا ترفضين. كنت تحرصين على إبعاد توءميك عن أبيهما، وعبثًا كنت تحاولين.
تمر الأيام سريعة كقطار لا يوقفه شيء، يكبر التوءمان، ويعرفان طريقهما إلى أبيهما، يتسللان إليه في خفية منك؛ ليحظى الأب الحنون بأربعة تواءم وزوجة وفية بارة، وتزداد برودة المنزل، وأنت فيه وحيدة، بين جدران باردة وكئيبة.
د. سعيد محمد المنزلاوي