تحليل ونقد لقصيدة الشاعرة هتاف عريقات (مرآة فكري)  للكاتب والباحث علي محمد العبيدي

 

**********
لأجلِكَ أنتَ يكونُ ربيعُ الحياةِ
وليس لغيرِكَ عندي
سوى ذكرياتِ
وليسَ بغيرِكَ تأتي الزُّهورُ..
سماتُ الرُّجولةِ..
عنفُ الشَّبابِ..
وأنتَ الأماني..
وأنتَ صفاءُ الأضاةِ
فمن لي سواكَ
إذا ما طَمِحْتُ؟
لِغَرسِ الرَّجاءِ،
وبَذْرِ النُّفوسِ..
وبَذْرِ المُنى..
وافتِكاكِ الضَّفائرِ،
نثرِ العُطورِ،
وعزفِ اللُّحونِ؟
وكيفَ أعيشُكَ
في عنفوانٍ
وفي كبرِياءٍ..
وفي نَظَراتي..
وأيِّ الْتِفاتِ ؟ …
ومَنْ لي على الصَّحوِ والسُّكْرِ
غيرَكْ؟
تهزُّ كياني،
وتبهرُني،
لستُ أعرِفُ كُنهَكْ..
وإمَّا بحثتُ عليكَ كثيراً،
أتابِعُ خطْوَك،
ولكنَّني مَحْضُ جاهِلَةٍ،
ليسَ تقنَعُ
قَطُّ
لأعرِفَ أيْنَكْ …
كتبتُ
حكايا الحنينِ..
وجاوزتُ
لهثَ السِّنينِ..
وحين تعانِقُ كفَّاكَ خصري
وتلهو بعيداً..
رُويداً
رُويداً
إلى أبَدِ الآبدين
أُحِبُّكَ..
أعشقُ كلَّ الَّذي فيكَ أنتَ..
حياتِيَ أنتَ..
وروحيَ أنتَ..
وعشقي المُفَدَّى..
وعنكَ
فإنِّي أنا لا أُطيقُ معَ العِشْقِ بُعْدا …
وأنتَ تجدِّفُ ضمنَ مِياهي..
فتلهو على نهريَ
اليومَ..
نهريَ بالوجْدِ صافي..
وقد زادَ فيكَ صفاءً..
وزادَ اشتياقا
ليشدو بحُبِّكَ..
صوتاً شجِيَّا
تجلَّى ربيعاً شهيَّا
على شفَتَيَّا
لأرجُفَ منكَ..
بقلبٍ يُنادي

وأزدادَ شوقاً
لألقى مع البُعْدِ
ضمنَ التَّغرُّبِ
عشقاً ثوى في فؤادي..
لتلكَ الرُّبوعِ..
وتلكَ البلادِ..
أراكَ ملِيَّاً..
فتنثُرُ بعضَ بذورِ اليقينِ …

وأطلبُ منكَ
إعادةَ بعضِ اتِّزاني..
فيشدو الجُموحُ..
وألقى لديَّ طيوراً …
وفيها
يطيرُ الطُّموحُ
ولكنْ
تعودُ اللُّحونُ
تُغَنِّي..
بصوتٍ حزينِ …

تُغنِّي إليكَ
أغارُ عليكَ
إذا ما وجدتُ الشَّذى
ضمنَ جِسمي
وفوقَ ثِيابي..
عليكَ دلالةُ عشقٍ،
قويٍّ،
كبيرٍ،
عنيفٍ،
شديدٍ،
مُبينِ …

فلا أرتدي معطفاً للتَّبلُّدِ..
هذا الغطاءُ
قِناعٌ
يخبِّئُ دفءَ الحياةِ..
إذا أوغَلَ البردُ فيها
ستمحو الأماني
من الذِّكرياتِ …

ولم أنسَ يوماً..
بأنِّي
بكيتُ اشتياقاً..
بِهِ..
في نَشيجٍ..
لدى رؤيةِ الطَّيفِ،
في عُمقِ ذِكرى،
لقربٍ..
تجلَّى..
لوجهٍ جميلٍ..
وفكرٍ رصينِ …

تذكَّرْ
بأنِّي بكيتُكَ عِشْقاً..
وأبكيتُ فيَّ اللَّيالي …
وما زلتَ مرآةَ فكري
وبؤبُؤَ عيني …
ومُرتَسَمَ البَسَماتِ …

**********
مطلع استهلالي بديع وخطاب نابع من أعماق الفؤاد لحبيب له أثر في نفس الشاعرة
لم تحدد من يكون هذا الحبيب ولكن اشارت الشاعرة إشارة بديعة حين قالت لأجلك انت يكون ربيع الحياة فاضافت الربيع للحياة لأن الربيع يمثل فصل النشاط والحيوية وفصل الخير فالاشجار تورق والازهار تتفح والأرض تخضر وتزدان الأرض بهذه الحلة العجيبة
واستثنت الشاعرة كل شخص غيره فليس له عندها أي شيء سوى الذكرى العابرة فلا تتوقف النفس ولا تجود القريحة إلا لذلك الحبيب الذي ملأ حياتها بالحب والحنان واعطاها هذه الطاقة التي تتفجر بالعطاء والإنطلاق مع الطبيعة التي تزخر بالحيوية والجمال ومنها تستمد أسرار السعادة
إن انطلاقة خيال الشاعرة نحو اسرار الطبيعة
وهنا آثرت الشاعرة تقديم بعض متعلقات القصيدة على البعض الآخر وجاءت بهذا النسق الجميل لأنها تريد إثبات المعاني المقصودة مع متابعة سير أحوال القصيدة التي تشعبت إلى عدة اتجاهات مع محافظتها على المسار الرئيسي للقصيدة.
إن انطلاقة الشاعرة نحو اسرار الطبيعة والتفاعل معها بكل مشاعرها له دلالات واضحة على إحساسها بكل هذه العجائب التي تجتذبها بشدة للتفاعل معها ومن ثم تخزن هذه الأشياء في ذكرتها
مثل: الربيع، الزهور . النهر .دفء الحياة .البرد . غناء الطيور .

فقد وصفت الشاعرة الطبيعة بجميع مظاهرها ومباهجها، فوصفت الطبيعة الخلابة النابضة بالحيوية بأشجارها وأزهارها وأنهارها وسمائها وما يتصل بذلك كله من نسيم ورياح وأمطار ، وكان الشعور الغالب على هذا الوصف الإحساس بالحزن الخفي فأي شيء من شخوص ومظاهر الطبيعة تتناوله الشاعرة إلا ساده التأمل والنظرة الحزينة .
وهنا يأتي دور الشاعرة في تأكيد صيغة الوصل في هذه الصور البلاغية الجميلة، والتي من خلالها تسعى لتحقيق ما تطمح إليه لغرس أشجار الرجاء، ومن ثم تنثر بذور المنى مع النفوس النقية
وفك الضفائر وتطايرها مع الرياح والإنطلاق مع الطبيعة للإبتهاج في ربوعها إيذنا بحلول ربيع الحياة الذي ينثر عطره في ربوع الأرض التي تَطرب لنداء الطبيعة .

وهي تريد أن تعيش معه في حدة ريعان الشباب .
فهو الذي يهز كيانها ويسكرها بروحه النبيلة ويبهرها بنظراته التي تحمل كل صور المودة وصدق المشاعر وتذهب الشاعرة بعيدا في بحثها وتتبع آثاره المرسومة على الطرق التي مر منها لاكتشاف كنه هذه المشاعر لانه ترك كل بصمات الوفاء عليها .
لكنها في نهاية المطاف تكتشف أنها محض جاهلة لأنها لم تكن لتصل إلى كنه هذه المشاعر .
وهي تكتب كل قصص وحكايات الحنين شوقا إليه وتجاوزت بصبرها وثباتها بالرغم من رياح السموم التي وقفت بوجهها بثباتها المعهود وثقتها بما تحمل من قيم صادقة، وهي تحمل كل هذا الوفاء للحبيب وللأرض لنشر السعادة والخير في ربوع الوطن .
كما وان الشاعرة استخدمت أساليب النحو لتحقيق هدف مهم وهو تحقيق الشرط اليقيني الذي لا بد من وقوعه . ولم تتعرض الشاعرة لكثير من العبارات بنفي ولا إثبات لأن البحر الذي استخدمته هو من البحور الصافية واجزائه متشابهة خماسية وهو متدفق سريع نظرا لقصر تفعيلاته وهذا ما ساعدها كثيرا في انتقالاتها من عبارة لاخرى كذلك ساعدها في ترتيب تراكيب الجمل القصيرة مما أعطى النص أكثر سلاسة واضفى عليه مسحة في التعبير عن مقاصد الشاعرة بسهولة ويسر .
تميز النص بعمقه التعبيري للكشف عن الدلالات الجمالية والعاطفية كما ويتميز بإيقاع موسيقي مؤثر يحاكي العديد من الصور الخيالية في النص ويضفي عليها طابعا جماليا يعبر عن مواقف متعددة صورتها الشاعرة مثل التجديف في مياهها وصورة النهر التي تدل على على العطاء وتجدد النشاط وانطلاقة الحياة نحو الابداع وتقديم الخير لخدمة الانسانية، مما يعكس حالة نفسية إيجابية متدفقة تتوق نحو الحرية والحياة ، وهي تمثل انعكاس للعاطفة الجياشة التي تحلق في فضاء العطاء والحرية ليعطي عواطفها مجالات واسعا للانطلاق في رسم الحياة باجمل صورها والتطلع نحو المستقبل الجميل الزاهر .
ابدعت الشاعرة في تصوير خاتمة القصيدة وصاغتها بأسلوب رومانسي بديع يلخص كل ما ورد في القصيدة فجاءت في غاية الضبط الفني الذي يتناغم مع ايقاع القصيدة .
تميزت القصيدة بأسلوب يجمع الصور الحسية التي تعبر عن الشوق والحنين وقدمت الشاعرة صورة جميلة وصفت من خلالها الحب الذي تجسد بابهى صوره أخذ معه المتلقي الى عالم الخيال الجميل ..

وأخيرا أقول إبداع وتألق.
مع تحياتي وباقات الورد والياسمين.

 

الكاتب والباحث علي محمد العبيدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *