بهلوان ل د. ندى مأمون إبراهيم

  بات الانتظار مملا

أيقنت أنه يريد القدوم بعد غياب طويل، ليقبل اليد ويقبض الثمن.
ثم يختلق ألف حيلة ليبعدها،
حيل قديمة، حفظتها عن ظهر قلب.

رسالته باهتة، مثل معالمه.
يعتقد أن شوقها إليه ينتظره عند الباب، ليلتقيه!
يغيب كما يحلو له، ثم لا يفعل شيئًا سوى إرسال رسائل تبكيها.
تهم بالدعاء عليه، ثم يثنيها قلبها عن فعل ذلك.

هذه هي رسالته الأولى، بعد عشر سنوات مجحفة.
أرسلها السخيف رداً على استجداء متواصل منها.

زمن طويل، وهي تحصي عدد غيباته المزعجة كما تحصي عدد شجيرات النعناع في حقلها.
تعرف ألم الغياب والخذلان، تخزنه في ذاكرتها، تضعه قرب حنينها الجارف كي لا يشتعل الحنين فيضعفها.

نظرت إلى زوجها المنهك، وهو يتكئ على أريكة الخشب في شرفة المنزل المطل على الحقل،
يعاند ضعف جسده النحيل، ويحملق في شاشة التلفاز بشوق، ينتظر أن يرى ملامح يعرفانها جيدًا.

قربت إليه الكأس ليشرب، شاي النعناع يواسي شيبتهما في فسحة منزلهما الريفي،
يرشفان منه طعماً، وطعم قبلاتهما لذلك الغبي ما زالت حية.

أطلقا عليه في صغره اسم “البهلوان”،
امتلك منذ الصغر مهارة التلاعب بهما.
عيناه الواسعتان تحملهما على الخضوع عند رغباته.
يقبل كفوفهما ماكراً، ليحمل بعدها نقوداً تكفيه لشراء هدايا العيد والتعالي على أطفال القرية.
ويصرخ عالياً بعنف، إن لمست أمه قطته، فيلوي يدها وقلبها.

يعاند أباه فيكسر عصاه، ويهرب حيث التل فيجمع ثمار العنب ليأكلها ويستمتع بها.
ثم يعود آخر النهار منتشياً، وكأن شيئاً لم يكن.

الأشجار فوق التل لم تثمر منذ زمن، والحقل لم يطرح أصنافاً جديدة.
لم يتبق سوى شجيرات نعناع قليلة حول المنزل، ما عادت تستطيع رعاية الحقل.
سبعون سنة كفيلة بأن تضع في جسدها وجسد زوجها كل أصناف المرض.
يهلكها ارتفاع ضغط الدم وخشونة الركب، وصاحبها الثمانيني، ينازله سرطان الكبد، منازلة غير عادلة، ويكسب الجولات كل مرة.

رسالة البهلوان الأخيرة لم تكن أيضًا عادلة.
يساومها على بيع الأرض نظير أن يتنازل ويأتي لزيارتها وزيارة والده المودع.
يقول لها: “الأرياف لا تليق به!”

لسنوات طوال، ظنت أن البهلوان سوف تتلبسه روح إنسان، لكنه لم يكن يطيل في وجهيهما النظر،
لم تكن ملامحهما تعنيه في شيء.
يرى في لمعة عيونهما انعكاس صورته الغارقة في الحسن، ولا شيء غير صورته.

ركب أفعوانية الحياة من دونهما، ألقى بهما في الطريق وراح يلطخ وجهه بألوان الملذات.
صوته العالي يرج التلفاز، وصورته مطبوعة على الشاشة أمامهما.
يقول الأشعار، ينادي بالرفق بالحيوان، ويحكي قصة قطته!
يلبس حلته الأنيقة، يزينها بمنديل فاقع اللون، ويخنق عنقه بربطة زاهية.
نظرًا إليه وهو يحاور المذيعة كنجم سقط من السماء،
لكنهما لم يريا سوى بهلوان يتقلب مع الأهواء،
يلاعب رؤوساً فارغة رنانة، منخاره أحمر بحجم حبة التفاح.
يقول كلامًا كثيرًا ولم يأتِ على ذكرهما ولو بكلمة.

قامت من مكانها وهي تخفي بكاء قلبها،
لم تحتمل بكاء زوجها المرير فأغلقت التلفاز.

نزلت إلى الحقل لتجمع عروق نعناع إضافية في طرف جلبابها،
وأدركت أنهما لا يريدان ضجيجًا إضافياً، يكفيهما ثلاثون عاماً من التمادي في المشاعر.

لن يساومها هذه المرة.

أسقطت رسالته من جلبابها، وألقت أوراق النعناع الطازجة في كأس الشاي.
النعناع يدور في الكأس مع دوران الملعقة،
لينعش خريفهما المتناقص بشيء من المواساة.

د. ندى مأمون إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *