“حكايات خريفية” للفلسطيني حامد حج محمد — رواية الغياب بامتياز قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري

الفلسطيني يعيش حالة خريفية شبه دائمة، ويعود ذلك لوجود الاحتلال الذي يمثل أكبر شر يقع على الإنسان، فرغم أن السارد يتحدث عن غيابات لأسباب اجتماعية/عادية “هند، عبير، أبو حسان، خالد” إلا أن مضمون الرواية وفكرتها الأساسية — الغياب — تعكس ما يتعرض له الفلسطيني من تغييب.

من هنا تحدث السارد عن غياب الإنسان وغياب المكان وجعل الزمن هو الباقي/المنتصر، فهو بهذا الطرح يشير إلى وجود احتلال استيطاني يسعى للقضاء على البشر والاستيلاء على الأرض، وهذا ما يجعلنا نقول: الرواية تتجاوز ما تطرحه من غيابات اجتماعية، إلى الغيابات بسبب الاستشهاد أو الأسر. من هنا توقف السارد كثيرًا عند الأسير “أبو عوض” الذي كان حاضرًا ومؤثرًا أكثر من الطبيعية والحبيبة.


السرد الروائي

جاء السرد الروائي بمجمله من خلال أنا السارد — إذا ما استثنينا رسالة الحبيبة، صفحة واحدة فقط — وأكثر من هذا تحدث السارد للقارئ مباشرة، مشيرًا إلى الرابط بينه وبين الكاتب حينما قال:

“عزمت أخيرا على ترك الماضي والاستعداد لما بعد رحيل أبطالي، اتجهت إلى التفكير بالمكان الذي أنجبهم، سأحاول فهم المكان (الحارة) هل انتصر المكان في قصتي؟ هل هزم كل الأبطال وكل عناصر قصتي؟ أم أن هناك أبطالاً بإمكانهم هزيمة المكان؟” ص 17

فهنا تم تكسير وتيرة السرد الروائي، وتعريف القارئ بما عزم عليه السارد من قتل أبطال الرواية وإحياء المكان، لكننا نجده يميت المكان أيضًا، ويجعل الانتصار من نصيب الزمان:

“وأخيرا تعرض المكان للهزيمة الحقيقية في قصتي، وأثبت الزمان أنه لا بد منتصر” ص 39

هذه الفقرة تقودنا إلى ما يحمله السارد في العقل الباطن، وتقودنا إلى الاحتلال الذي يستولي على الأرض ويغير معالمها ويزيل منها كل أثر متعلق بوجود الفلسطيني فيها.

من هنا تم هزيمة المكان كما هزم الإنسان: أوشك المكان أن يهزم كل الأبطال، لكنه فشل أخيرًا لأن هناك من هزمه، هناك من كان أقوى منه بكثير. الزمان انتصر مرارًا حين دمر مكاني وحارتي وانتصر عليهما، وخطف أغلى أشيائي في لمح البصر، وطردني من مكاني وخطف أبطالي” ص 70 و71

إذا ما توقفنا عند المقاطع السابقة نجد أن السارد يستخدم لفظ “أبطالي”، وهذا له علاقة بالشخصيات المثلى التي تأثر بها السارد، مما جعله يكرر الفكرة وبعين الألفاظ. من أول الرواية حتى نهايتها كانت شخصيات “أبو حسان، خالد، عبد اللطيف” حاضرة في الرواية، وبعد نصف الرواية دخل “أبو عوض” كشخصية فاعلة ومؤثرة في السارد، حتى أن ذكره تجاوز ذكر الحبيبة والطبيعة — وهذا أمر سنتوقف عنده لاحقًا.


المكان

المكان في الرواية مكان ريفي عام، لم يتم تحديده، لكن السارد يذكر مدينة نابلس، ومدينة رام الله خلال أحداث الرواية. وهذا الأمر يستوقفنا ويجعلنا نتساءل: ما الغاية من تعميم مكان الأحداث؟ ألم يكن من الأجدى أن يتم تسمية المكان وتحديده، لأن ذلك يخدم فكرة تمسك الفلسطيني بالمكان؟


فكرة الرواية

فكرة الرواية تقوم على الغيابات التي تلاحق السارد، فكل من أحبهم ذهبوا ورحلوا: “أبو حسان، هند، عبير، خالد”، كما أن السارد نفسه غادر المكان:

“أنا رحلت مجبرًا وظل الحلم بداخلي للعودة إلى المكان، وأبو حسان رحل مختارًا مضيعًا كل حقوقه وأمكنته المشروعة” ص 82

وهذا ما يجعل العنوان “حكايات خريفية” منسجمًا مع متن الرواية وأحداثها.


الأنثى

يتحدث السارد في بداية الرواية عن تأثره بغياب “هند” التي قررت الزواج ومغادرة المكان، ثم يتحدث عن تعلق أختها “عبير” به، لكنها أيضًا غادرت، بعدها يحدثنا عن “ساحرته” التي خصته برسالة جاءت بلغة أنثى حقيقية، لغة مغايرة تمامًا للغة الرواية، حيث يجد المتلقي متعة متناهية في قراءة تلك الرسالة، رغم أنها صفحة واحدة.

من هنا كان على السارد فتح المجال أمام “هند وعبير وساحرته” ليتحدثن بلغتهن ويسمعننا أصواتهن، لا أن يبقى صوتهن، صورتهن مقيدة بما يقوله هو عنهن، فهذا (دكتاتورية ذكورية) تضر بالعمل الروائي، وتجعله محاصرًا/ضيق الأفق.


الطبيعة

وهنا نذكر بأن السارد (تغزل) كثيرًا بشجرة الكينا، حتى أنه ذكرها في أكثر من موضع وفصل، وهنا نسأل: هل يعود ذلك إلى الرقابة الذاتية التي وضعها السارد على نفسه، فجعله العقل الباطن يستعيض عن الحرمان من امرأة حقيقية إلى اللجوء إلى شجرة الكينا كأنثى؟


أبو عوض

نلاحظ حضور “أبو عوض” كان ساطعًا جدًا، فرغم أن السارد ذكره ضمن الأحداث المتعلقة بالأسر، وما يعانيه الأسير من قسوة ومضايقات، فكان الأجدر أن يتم الاستعانة بعناصر الفرح المتمثلة بالمرأة/بالأم، بالطبيعة، بالكتابة، بالتمرد، لكنه أبقى ذكر ساحرته هامشيًا، وأحيانًا تحدث عن أثر الطبيعة، لكن دون أن يعطيها حقها ومكانتها كعنصر تخفيف، وأبقى “أبو عوض” حاضرًا ومؤثرًا حتى نهاية الرواية، حتى أنه أعطاه فصلاً كاملاً — آخر فصل في الرواية — كل هذا أخلّ في إقناع المتلقي أنه أمام شخصية منسجمة مع ذاتها، مع معاناتها، وجعله يشعر أنه أمام شخصية محاصرة بالغياب، بالهزائم، حتى أنها تحاصر ذاتها، مما جعلها (عاجزة) عن إظهار مشاعرها، فكانت الخريفية جزءًا من تركيبتها ولغتها وطريقة عرضها للشخصيات النسائية.


رواية من منشورات دار غراب للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 2025.

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *