يوم أول أمس نقل لنا الصديق “هارون الصبيحي” خبرًا يتحدث فيه عن رفض الروائي المصري “صنع الله إبراهيم” جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي، وهذا يستدعي منا كقراء ومتلقين التوقف عند هذا الخبر، ومحاولة تكريم “صنع الله إبراهيم” بأي طريقة نراها مناسبة: قراءة أعماله، الكتابة عنها، التعليق على الخبر، أو رسالة تأييد للكاتب.
من هنا وجدت من المناسب قراءة إحدى رواياته والتعقيب عليها قدر المستطاع، فكانت هذه المداخلة عن رواية “اللجنة”، أحد أشكال تكريم من قال لا، ورفض قبول هذه الجائزة التي تؤكد إبداعه الروائي، مترفعًا عن أخذ الجائزة، ليس لأنها صغيرة، بل لأن الدولة القائمة عليها لا تنسجم مع المعايير الوطنية والقومية التي يؤمن بها، أو لأنه اعتبر الجائزة أقرب إلى رشوة تحاول بها الحكومة استمالته، أو أنها جاءت كوسيلة ضغط عليه بشكل الترغيب ليكون قريبًا من الحكومة المصرية.

وهنا نشكر هذا (النبي) “صنع الله إبراهيم” الذي رفض بيع نفسه، فكان قرين الرسول محمد (ص) الذي رفض كل المغريات التي قدمها له سادة قريش مقابل التخلي عن دعوته. موقف “صنع الله إبراهيم” يؤكد (نبوة) المثقف الملتزم.
العنوان وأسماء الشخصيات
اللجنة تمثل المؤسسات/الجهات الخفية والملموسة التي تتحكم في البلاد والعباد، من هنا نجدها مكونة من أكثر من شخص/جهة: “العسكر، الأجهزة الأمنية، الموجه/المراقب/الخبير الأجنبي، رجال ونساء آخرون”.
يتم استدعاء السارد لمقابلة اللجنة، حيث لا يذكر اسمه ولا أي اسم آخر في الرواية، سوى أسماء الرؤساء الأمريكيين: “فورد، نكسن، كارتر”، وبعض المتنفذين في السياسة الأمريكية مثل “كسنجر”. هذا يشير إلى أن السارد أراد أن تكون روايته عامة، تعم مصر وكل الأقطار العربية، ويمكن لأي قارئ عربي أن يرى واقعه في الرواية.
طبيعة اللجنة وما تمثله
نلاحظ أن اللجنة عندما استمعت إلى الموقف الوطني/القومي للسارد، من التغييرات الاقتصادية في مصر — شركة الكوكا كولا — أظهرت امتعاضها ونفورها مما قاله عن هذه الشركة:
“وخاضت الكوكا كولا غمار حربين عالميتين، خرجت منهما منتصرة، فقد باعت خمسة مليارات من الزجاجات خلال سنوات السبع للحرب الثانية، ثم دخلت أوروبا على جناح مشروع مارشال الذي ساعد الأوروبيين بالمنتجات والقروض الأمريكية… فهي تعتمد في فتح الأسواق العالمية على إقامة مؤسسات محلية مستقلة في كل بلد، يؤلفها الرأسماليون به، وقد حققت هذه الخطة نتائج مذهلة، ليس أقلها إضفاء الصبغة الوطنية على الزجاجة الأمريكية” ص22 و23
هنا يكشف السارد طبيعة الشركة، وكيف أنها استغلت الأرباح والحروب لتحقيق مصالحها، وتغلغلت في دول العالم، وخادعت تلك الدول والشعوب بأنها تنتج منتجات وطنية، بينما في الحقيقة تنتج منتجات أمريكية بغطاء محلي.
ولم يقتصر نفوذ الشركة عند هذا الحد، بل وصل إلى الرئاسة الأمريكية نفسها:
“أن رئيس شركة الكوكا كولا هو الذي أعد منذ زمن بعيد — مع عدد آخر من رؤساء الشركات الأمريكية الضخمة — جيمي كارتر ليكون مرشحًا لرئاسة الولايات المتحدة” ص24
الدكتور: نموذج المتنفذ الفاسد
تقرر اللجنة إرسال السارد ليكتب عن أهم شخصية مؤثرة عربيًا، فاختار شخصية “الدكتور”، الذي بدأ وطنياً قومياً، شارك في حرب فلسطين عام 1948، وتصدى للعصابات الصهيونية، لكنه بدأ بالانحراف تدريجيًا ليصبح الشخص الأكثر سطوعًا في المجتمع، متميزًا في التجارة، الصناعة، الفن، الأدب، السياسة، وحتى اللغة.
من مظاهر فساد “الدكتور”:
“لم أدهش عندما علمت منهم أن الجهة المحلية التي تستورد السلع المذكورة هي مؤسسة يديرها الابن الأكبر للدكتور من زوجته الأولى” ص52
كما استغل العلاقات السياسية والاقتصادية لمصلحته، وزوج ابنته من رئيس عربي، مما أثار عاصفة من التعليقات:
“ولا بسبب فارق السن وحده الذي يربو على ثلاثين من الأعوام، وإنما أساسًا بسبب المدلولات السياسية والاقتصادية” ص55 و56
كما قام بتشكيل فرقة مرتزقة، واستغل المعونات للفلاحين لتحقيق مكاسب شخصية:
“المليون بدلة من مخلفات الحرب الفيتنامية التي تبرع بها الجيش الأمريكي للفلاحين المعدومين في مصر، وجدت طريقها إلى مخازنه حيث باعها بدوره لعدد من التجار مقابل ستة ملايين جنيه” ص58
الدولة المصرية
ينتقد السارد الدولة المصرية بطريقة لاذعة، مؤكداً وجود اتفاقيات سرية تسمح للاحتلال بسرقة مياه نهر النيل:
“استخدام مياه النيل في ري صحراء النقب، وهو ما تيسر بفضل الأنفاق الهائلة المحفورة أسفل قناة السويس” ص121
دول النفط
مال الخليج يذهب إلى الأعداء أنفسهم، فالعدو يحصل على ثمن كل طلقة وقذيفة يطلقها على أهلنا في غزة من الخليج النفطي:
“ولا طمعه في أموال بترول الخليج التي تذهب إلى أصحابها الحقيقيين في أوروبا والولايات المتحدة عن طريق وسطاء غيره” ص88
عجز المجتمع
الخذلان في المنطقة العربية لم يأت صدفة، فقد تم إيجاد متنفذين على شاكلة “الدكتور” يرضون الخصوم بالفتات أو بالتهديد، مما جعل المجتمع عاجزًا عن قول لا، أو التعبير عن الامتعاض.
يتناول السارد مشهد تحرش، حيث حاول أحد الأشخاص التحرش بفتاة، وتدخل السارد لحمايتها، لكنه تعرض للضرب:
“وجعل أكثر من واحد يطيب خاطره، ويدعوه للهدوء… وسمعت أحدهم يقول له: “روق بالك، لبؤة ولوطي.. والاثنان أغرتهما فحولتك فتحرشا بك… فلماذا تعكر دمك؟” ص136
الفساد
يتحدث السارد عن فساد العلماء والأطباء والفنانين والمدرسين، وكيف أنهم مشغولون بجمع الثروات:
“واكتشفت أن أغلب العلماء والأطباء والفنانين والمدرسين وأساتذة الجامعات كانوا مشغولين بجمع الثروات عن القيام بعمل واحد من شأنه أن يضعهم في دائرة الضوء” ص35
كما يوضح تقاعس الأطباء الحكوميين، وبيعهم للدواء والمرضى للعلاج الخاص:
“توصي باستخدام جرعات أكبر من تلك التي أوصى بها المرضى في بلادهم الأصلية، فلماذا؟” ص92
السخرية والفانتازيا
يستخدم السارد السخرية والمبالغة لتخفيف وطأة القسوة على القارئ، مثل:
“ولاحظت أنها تجد صعوبة في إيداع الهبات التي انهالت عليها… الدولة أصدرت أوراقًا جديدة من فئة المائة جنيه في أحجام صغيرة ملائمة، مما يقطع بمدى ما لصاحبنا من ثقل” ص37
ويظهر الفانتازيا في طريقة تعامل اللجنة معه، مثل مطالبته بنزع ملابسه، ومشاركته في أنشطة غريبة، وهو ما يعكس عبثية السلطة.
الرفض في الرواية
السارد يرفض الظلم والفساد والضغط على المواطن، ويواجه المتحرش في الحافلة، ولكنه المواجهة الأكبر هي مواجهة اللجنة، حيث قتل السارد الرقيب الذي يضايقه:
هذه الثورة الانتحارية الرمزية هي ما يحتاجه المواطن العربي، قول “لا” والعمل به مهما كانت النتائج، كما فعل صنع الله إبراهيم حين رفض الجائزة.
الرواية من منشورات دار الكلمة للنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1983.
الكاتب والناقد رائد الحواري