قراءة نقدية للكاتبة سيدة بن جازية بين البنيوية والسوسيولوجية التأويلية للرواية القصيرة جدا “أرض الزعفران”للأديب والروائي العراقي الأستاذ حميد الحريزي

جنس الأثر: أرض الزعفران جنس مهجن بين الحكاية الخرافيةو الرواية المقتضبة و السيرة المتقاة والقصة الطويلة ، المهم أنها سردية حافظت على أسس البناء العام للأثر السردي الرائع الذي خلع عنه الخصوصية توقا للتراث العالمي شأنه شأن حكايات شهرزاد المغمسة بالغريب والعجيب دون تملص من الحكمة المطلقة . فنجد وحدة الحدث والزمكان والشخصيات والحبكة واللغة المبلغة و الفكرة تاركة مجال التأويل للقارئ.
لماذا هذا الاختلاف في التجنيس أو التصنيف ؟
ربما لأنها غاصت في عالم العجيب مزجا بين الواقع واللاواقع
بين الإنس والجان بين الهزل والجد بين الرواية والقصة أو كذلك لابتعادها عن تعقيدات الرواية وتداخل الأحداث فيها زمكانيا وترتيبيا إذ بدت منتظمة محافظة على خط سردي أفقي لا استرجاع فيه أو استباق ظاهريا والشخصيات الفاعلة محدودة العدد والأفعال مذكرا إيانا ببنية القصة القصيرة .لذا يبقى التصنيف من شأن النقاد كل حسب زاوية نظره و سبل علاجه خاصة مع استحداث جنس الرواية القصيرة جدا في الأدب العربي بينما نجده في الأدب العالمي من خلال المترجمات بلفظة قصة طويلة كما أوردوها بالكتب المدرسية والمصنفات أو الميكرونوفيلا… المهم أن الفكرة ثابتة والشكل متغير موكب للغة العصر ونسقه المتسارع.

عتبة النص عنوانه وعنوان روايتنا” أرض الزعفران” وردت في شكل نحوي مخصوص هو المركب الإضافي ليكون المضاف الأرض؛ بما تحمله من منبت الكائنات ومستقرها ،هو الثابت الذي يأوينا ويأوي كل الأحداث في القص هو الموطن و المدفن و الهوية . بينما المضاف إليه ورد كمكمل عطري تجميلي ذوقي مميز لكنه باهض الثمن متعدد الاستعمالات غير ثابت يحتاج لبيئة خاصة وتربة مخصوصة حتى يربو .
فما علاقة الزعفران بالأرض ؟ هل هي كنية لأرض معينة أم صنف معين أم لون معين له علاقة باللون الأصفر والجنس الأصفر والكتب الصفراء و الضحكة الصفراء …
يبدو العنوان كاشفا للمحتوى ظاهريا لاندلاع الأحداث في بيئة فلاحية بسيطة هادئة فقيرة ثم تستثري ،غير أنه يحيل إلى إيحاءات و تأويلات لا يبلغها إلا من غاص وتمكن من المكنون لعلاقة مادة الزعفران بتجارة التوابل والأطعمة والبخور وبعض العادات والتقاليد مع ارتباطها بدولة استأثرت بنصيب الأسد في هذا الباب ألا وهي إيران مجمع الثقافات والحضارات والمذاهب و العداوات كذلك لعلاقة مادة الزعفران بفك أعمال السحر والسحرة إذ يحبر بها المحبرون في عالم السحر والشعوذة طلاسمهم في عالمهم المقرون بين الجن والإنس و الخدم والشياطين والخيال وعالم الطاقات الخفية والتنقيب عن الكنوز وسرقة المخطوطات و الآثار …
إذا يدعونا الروائي إلى خوض تجربة أدبية شيقة معه منطلقا من عالم الواقع المعيش بكل بساطته وهدوئه نحو عالم التخييل واسترجاع حكاوي الجدات العجيبة محملا لنا رسائل بليغة ومواعظ حكيمة و كشف لأسرار خطيرة ….

الإطاران :
الإطار المكاني ؛ أرض الزعفران ،بيت الأب فرحان ،أرض أيشان ،بيت إدريس بيوت أهل البلدة والأجوار .
تبدو أطرا واقعية أو موحية بالواقعية اتخذها القاص مسرحا لأحداث يديرها .
إلا أنه أشار لتجاور أرضه بأرض أيشان يسكنها الإنس والجان دون أن يذكر لنا بعض صفات الجان أو أعمالهم أو نوع العلاقات بينهم .حتى يحافظ على وضع الهدوء والتمهيد.

الإطار الزماني ؛ زمن القص خطي ممتد بين الزمن المؤقت المحدد بدلالات معينة” فجر يوم ممطر ” ، ولدت في الشهر العاشر ، منذ يومها السابع… إنشاء بيت بليلة وضحاها …يؤكد الزمن عجائبية الأحداث فيخدم الثيمة التي يشتغل عليها الروائي ،
ثم يتسع الامتداد ليبلغ السنوات العديدة لكنه يختمها بالقدر المحتوم بالاندثار ليذكرنا بأن هذه الأرض ماهي إلا الكون الذي يحتفي بكل الأطوار والمتغيرات والأحداث و الأجناس والمخلوقات فلا يبقى غير الأثر والآثار في شكل كنوز مادية ومعنوية مدفونة بأرض عيشت خيرهم وشرهم و قولية محسوسة وملموسة كما رأينا في حالة التعارف الخفي العجائبي بين ضوية وإدريس ومعرفة إدريس للجميع دون تعارف سابق في استرجاع لقصة خلق الإنسان ” وعلم آدم الأسماء كلها ” أول الخلق
إذا الزمن هو السرمد حيث لا بداية له ولا نهاية هو المطلق الصالح لكل العصور و الأجيال . في مشاهد متعاقبة كمجمع لحياة البشر على وجه البسيطة.

الشخصيات القصصية في الرواية:

تنطلق الأحداث بالثنائي في الخلق الأب فرحان ثم تتلوه الأم نورهان ثم تتدخل الشخصية المحورية ضوية كي تفتك الأضواء من الجميع بموعد ميلادها حيث اختلفت عن لداتها من الإنس والجان و مكثت ببطن أمها أكثر من عشرة شهور ليقنعنا السارد كونها مختلفة تماما ثم يقترن حضورها منذ كانت جنينا بالنور الوهاج حيث لازمها كاسمها ضوية للدلالة على المبالغة في الإشعاع والتنوير ثم بحادثة فهمها لفحوى الكلام منذ أسبوعها الأول فالمشي منذ شهرها السابع وتتواصل كراماتها حتى تبلغ الأهل والأجوار و تصبح رسولة السلام والمحبة بمهارات من سبقها في تاريخ الأديان فتطبب الجميع وتدلهم على كل مبتغياتهم ثم تتواصل بمهارة مع الحيوانات والطيور….
جامعة بين خصال الرسل والأنبياء ؛ أسيادنا آدم ونوح وسليمان وعيسى وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم لتعم الفرحة والخيرات كل بيوت سكان البلدة وما أحوجهم لمثلها ليحقق لهم الأمنيات.
تلك الوليدة الوحيدة لفرحان الأنثى الخارقة يختارها السارد لتؤثث مسرح الأحداث بأفعال واقعية وخيالية متداخلة العوالم بين الانس والجان بين الحضور والغياب .

شخصية إدريس البطل الفارس الغريب هدية المطر والزمهرير يحضر كالجان بقدرة خارقة(حيث لم يبتل بسيل المطر هو وفرسه حين حضر لخطبة ضوية )
تحوم حوله هالة من الغرابة في الأقوال والأفعال كالمردة ،
ينجح في إقامة بيت بديوانه العظيم كالقصر الفريد في بعض من أواخر الليل الممطر ويغدق الجميع بالخيرات.حتى أنساهم بحثهم في الأصل والمفصل والعمل والأهل والدين و المذهب ….
حل بينهم ليقتسم البطولة مع ضوية والاستعانة بعالم الجن
لتنتهي قوته ومجده باندثار ما كان مخفيا بصندوق الكنز العجيب .

العث تحضر شخصيات حشرية فاعلة في تغيير سيرورة الأحداث متسارعة نحو الاندثار المحتوم. كجند من جنود الله أو كأنه نذير شؤم إذا ما حل بالديار والناس. كعقاب رباني قضائي يعاقب به من خان الأمانة وانتهك الحقوق ،فهذا الصندوق حل محل مخزون الأخلاق النافد بين العباد .

سكان البلدة ؛ صوٌرهم في صورة المتواكلين المنافقين الغدارين الذين لم يكف جشعهم ما أكرمهم به إدريس فزاغت عيونهم إلى سرقة ما ليس من حقهم ثم فجروا وفسقوا فكانت نهايتهم من صنف أخلاقهم المتدهورة وكانت السقطة عامة مذكرة بنهايات أهل عاد وثمود وفرعون وكفرة قريش و طوفان نوح و ما نعيشه الآن من غضب الله.
النص ككل يذكرنا بهبوط آدم وحواء من الجنة وقد صور الكاتب بمهارة قصة الصندوق مشبها إياه بتفاحة آدم وقد تعددت الشياطين والأبالسة في الرواية لتوسع الأحداث وامتدادها.
العلاقات بين الشخصيات بنيت على ثنائية الفتور/ المتانة / الانقطاع:
بين الأب والأم لم تتغير العلاقة لأن المرأة قد صورها بشكلها التقليدي غير فاعلة في الأحداث لا رأي لها أو موقف مسموع هي التابعة الصامتة المباركة لشؤون زوجها.
الأب والأم وضوية ؛ تشهد تطورا في العلاقة حيث تبدو المرأة الآمرة الناهية صاحبة المشورة والرأي في أسرتها وأهلها المتواطئين لكن بمجرد حلول إدريس تفتر أدوارها ليستأثر الغريب بالقول والفعل والمشورة والاغراء حتى التدهور (حضور ابليس في الجنة)
عائلة ضوية مع سكان البلدة علاقة تقام على المصلحة والنفعية والاستغلال لم نرهم قدموا العون للعائلة لكننا نعلم أن حضورهم لقضاء مآربهم الضيقة. نفاق اجتماعي يسود العلاقات …

بنية القص ؛ أورد الراوي روايته على خمسة فصول مقتضبة معنونة عناوين تحيل إلى محتوى الفصل وددت لوحذفها لأنها ترهل التشويق و تعيق متعة الاستكشاف خاصة تلك الخاتمة المكشوفة بعنوان كاشف جدا .
( الولادة _ الصندوق _ الغريب _ الزفاف _ الاندثار )
كل عنوان يهيء القارئ إلى نقطة ارتكاز القص أو ذروته فقضى على الفجائية.


الحبكة القصصية ؛ بنى الراوي حبكته على ثنائيات متناقضة
إذ انفتح بالحياة والولادة والانبعاث لتتراكم الأحداث تصاعديا نحو السقوط والاندثار متبعا حقيقة وجود الإنسان والإيمان بالقضاء والقدر حيث لا خلود لبشر بعد الله.
كما ثنائية الإنس والجان إذ تعايشا اثنين في واحد في ألفة ولم يقع تضارب أو صراع أو حب الظهور مذكرا إيانا بثنائية الجسد والروح وصعوبة فهم العلائقية فهل أن الجسد هو الذي يحرك الروح أم العكس ، وكم المعارف والعلوم التي تتصارع في الذهن من المسؤول عن استحضارها….
ربما غفل السارد عن حضور عنصر الجن رغم إصراره عن التلميح لحضوره بقوة.

ثنائية العتمة والنور وحقيقة وجود الكائنات النورانية والمسائل الطاقية … وانعكاس ذلك على حياة البشر والطبيعة.

ثنائية الخير والشر وعلاقتها بطبائع البشر .ليحاول معالجة القضية في علاقتها بالفقر والثراء مصورا مخاطرها على الفرد والمجموعة باندثار كل شيء .

اللغة مفعمة بروح الحكواتي المشوق مدججة بالغريب والعجيب بسيطة منسابة جامعة معاجمها لعالم الأسطورة و الخرافة و الأديان و الكتب السماوية بحضور اقتباس ديني واضح الحور الحسان ،الفردوس الموعود ، ما لذ وطاب ،التين والرمان ،النور …
موسيقى اللغة رنانة حرص فيها الراوي على خلق سجع أثيري باستدعائه لروي شعري خاص منفتح بمد الفتح والنون (آن )منذ العنوان زعفران ،والأب فرحان ،الأم نورهان،ريسان ، أيشان ،جان …

تداخل الموسيقى والإيقاع والغرائبية والمشاهد المدروسة كل ذلك ينضح من مدرسة أدبية تقليدية جامعة لثقافات المشافهة والمكتوب بعناية شديدة .

رسائل الرواية والراوي / باب التأويل
يطرح الراوي عديد القضايا المتشابكة نذكر أهمها ؛
قضية نفسية تربوية : حيث صور ضوية ترتع في بيئة بسيطة متوافقة تقدر مهاراتها وتلقي بالا لكلماتها ومواقفها فكانت مصدر خير و رفاه للعائلة ،هي رسالة مضمونة الوصول إلى الآباء كي يحسنوا التواصل مع الأبناء ويوطدوا علاقاتهم بهم لأن البنت الطيبة التي تنشأ في تربة طيبة كالنبتة الطيبة وكذلك الزوجة الصالحة لن تكون صالحة ما لم تعش مع زوج صالح يقدر مهاراتها و ذاتها و مواقفها في مناخ من الثقة والإخلاص ( من خلال تجربة نورهان المنقادة / ضوية القائدة )

قضية إنسانية أخلاقية :
بعث الخير للجميع دون حساب أو متاعب أو شروط يعلم التواكل والتكاسل والطمع وذلك يؤدي إلى تدهور الأخلاق والكفر بالنعم وهذا يتعارض مع حكمة الله في خلق الإنس والجان .يقول تعالى في الذكر الحكيم ” وقل اعملوا فسيرى الله و رسوله والمؤمنون عملكم …”

قضية سياسية:
يعالج ضمنيا النظام الاشتراكي الذي لا يحسن تطبيقه إلا إذا ما توفر منسوب معين من الأخلاق والثقافة والمهارات والقناعات…
علاقة الراعي بالرعية حيث تبدو نفعية استغلالية من الجانبين في شخصية إدريس الذي حقق المعجزات كي يفوز بمنصب زوج ضوية ويعتلي عرش البلدة وفي المقابل رعية لا يهمها أصل ومفصل رئيسها وأخلاقه ومبادئه غير توفير مباهج الحياة لهم حتى وإن استعان بالشيطان أو الجان وقد فرطوا بسذاجة في قطعة من أرضهم أمام الأطماع متناسين أن من يفرط في أرضه للغريب فرط في عرضه وحريته واستقلاله .فكيف لشعب لبساطته يزرع كيان هجين بينهم ؟من المسؤول عن ذلك ؟ الطمع/ الفقر / الطيبة / السذاجة أم المؤامرات الدنيئة ؟
الرسالة واضحة الاندثار والمحو كان جزاء هذا التخاذل والطمع فما بناه الجان الإنسي نخره سوس محفوظ في صندوق جامع للثروة والعقاب .
وفي الختام نتلقى رسالة الكاتب إلى الانسانية ؛
الجنة لا يسكنها إلا الصالحون و القانعون و العاملون المثابرون والمؤمنون.فقد بعث بينهم إدريسا رسولا لكنهم دنسوها بسوء التصرف وخبيث الأخلاق .
كان العقاب من نوع العمل سرقت الحياة منهم مثلما سرقوا من خيرات غيرهم ونهبوا وفسقوا .
العدل تحقق لكن بميزان إلاهي لا بشريا فصبرا جميلا .
الرواية تحمل نبوءة انتهاء الكون بانتهاء الخير في البشر.
دعوة للعودة إلى النقاء والخلق الكريم والقناعة والإخلاص .
ربما يكون الاندثار تطهيرا لأرض الزعفران من العفن والرذيلة كي تعود الفضيلة لمدينتها الفاضلة.


لا يمكن قراءة الرواية بنيويا فقط فلا بد من ربطها بعوامل تاريخية واجتماعية و ثقافية لأن الأدب لن ينسلخ أبدا عن واقعه في بنية مستقلة لنسترجع تاريخ العراق العريق وعلاقاتها بأجوارها وثقافاتهم وما تركته الحروب من ندوب لا تجد متنفسا لها غير الكتب والكتابات …
فالكاتب استعار ثيمة تقليدية ليحملها مشاكل بيئته وعصره وبث رسائله لأهله وللإنسانية في أسلوب مرح مقتضب سلس فيه استشراف لمستقبل جيوسياسي منشود ،فيه قياس لمآل الطغاة والرعاة في كل زمان ومكان.

الكاتبة سيدة بن جازية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *