تفكك الذات ومرايا الوهم: قراءة في “ساعة ماركة police”
بادئ ذي بدء أقول أن الولوج إلى النص يحتاج إلى تحليله نفسيًا في ضوء افتراض أن الزوجة لم تخنه فعليًا، وأن الأحداث كلها نتيجة ذهان نفسي وهلاوس بصرية مرّ بها البطل، يكشف عمقًا مقلقًا لحالة تفكك الذات وفقدان الصلة بالواقع، كما يُبرز أسئلة وجودية عن الهوية، الثقة، والانهيار الداخلي. نبتدئ بـ ..
تشخيص الحالة النفسية:
في نصنا هذا يعاني البطل على الأرجح من اضطراب ذهاني حاد (Psychotic Disorder)، وربما بالأخص، ذهان ارتيابي (Paranoid Psychosis) حيث تتشكل أوهام اضطهاد وخيانة دون أدلة واقعية. فنجد المريض/ بطل القصّة يُفسّر سلوك الآخرين أو الأحداث العادية كتآمر ضده. و يُرافق الذهان عادة هلاوس بصرية وسمعية، كما نجد في النص حالة انفصال عن الواقع (Derealization + Depersonalization) إذ يفقد البطل القدرة على التمييز بين ما يراه فعلاً وما يتخيله. فهو يرى الزوجة في أحضان رجل، ثم يتضح أنها رؤى متكررة غير واقعية. حتى في المشهد الذي يتفاعل فيه الابن مع “الهدية”، يتبين أنها صورة غير موجودة.
بنية الانهيار:
النص مبني على تصعيد داخلي تدريجي يبدأ بفقدان الطمأنينة (الزوجة ليست في مكانها المعتاد). ثم تنمو الهلاوس البصرية تدريجيًا (مشهد الحمام، السرير، الابن…). يُقنع نفسه مرة أنها مجرد كوابيس، لكنه يعود ليصدّقها فينتهي بفعل عنيف موجه نحو الآخرين، لكنه في الواقع موجه نحو الذات: الانتحار.
تأويل النهاية:
“حينها لم أستيقظ… بل تيقنت أنني ميتٌ لا محالة”
الجملة تفك شفرة النص كله. فلم يكن قتل “الرجل الآخر” إلا إسقاطًا لقتل الذات، ومع آخر مشهد للساعة على معصمه، نعلم أنه أنهى حياته رميًا بالرصاص، ولم تكن الجريمة ضد أحد سواه.
بنية الدفاع النفسي:
النص يُظهر كيف يعمل العقل المصدوم على خلق رواية بديلة للواقع:
-
هو لا يتحمل خيانة محتملة => يخلق مشاهد وهمية لتبرير ردّ الفعل العنيف.
-
لا يواجه فشله أو وحدته => يُرجع الانهيار إلى “خيانة” مهيمنة في ذهنه.
-
يُعيد إنتاج المشاهد لتأكيد أوهامه => ينهار تحت ثقلها.
التحليل السردي:
ننظر هنا إلى بنية الحكاية، وأسلوب السرد، وتوزيع الزمن، ومنظور الراوي:
بنية السرد الدائري والمفتوح على الداخل:
يبدأ السرد من لحظة “استيقاظ”، لكنه ليس يقظة واقعية، بل ولوجٌ في لاوعي الشخصية. يُبنى السرد على دوائر من الاستيقاظات الوهمية، كل مرة تنقض السابقة: وكأننا في حلقة هلوسة لا تنتهي. ثم يتكشّف السرد عبر تدفقات شعورية (تيار وعي)، دون خطوط سببية واضحة، بل ترابط داخلي هوسي.
زاوية الرؤية:
الراوي شخصي (ضمير المتكلم)، لكن لا يمكن الثقة به (unreliable narrator) في حين يُحبس القارئ في ذهن البطل، يُشاهِد من عين مشوّشة، فلا يُدرك الحقيقة إلا متأخرًا. هذه التقنية تُضاعف التوتر، وتُقارب القارئ من تجربة الانهيار الذهني نفسها.
اضطراب الزمن السردي:
يتضّح جليًا كيف أن الزمن يتفتت ويختلط: عقارب الساعة لا تتبع منطقًا، تتقدّم وتتراجع، و بالتالي لا نعرف ترتيب الأحداث فعليًا، لأن السرد يتبع تداعيًا لا تسلسلًا؛ و ذلك يعكس تفكك إدراك الزمن داخل الذهان، ويُحوّل الساعة من أداة ضبط إلى أداة انهيار.
المقاربة النسقيّة الرمزية:
هنا نُضيء على الرموز والنسق العميق خلف السرد:
-
الساعة (Police): (Police = شرطة، أي سلطة). لكن ليس سلطة القانون، بل سلطة الوقت، الوعي، القدر- القدَر المحتوم، أو العدّ التنازلي نحو الجنون والموت- و لكونها ماركة “Police” يضفي إيحاء بالعقوبة، كأن الزمن نفسه يُدين البطل ويُقيّده. فالساعة ليست تفصيلاً عارضًا، بل رمز مركزي للفصام الزمني والنفسي، تشير إلى اختلاط الأزمنة… مرة تكون على معصمه، ومرة على معصم “الآخر”. كما أنها تمثل نوعًا من الحقيقة الزائفة أو كما سبق، العدالة المستحيلة.
-
السرير: في العادة يُعتبر السرير رمزًا للراحة والحميمية، لكنه هنا يتحوّل إلى فضاء خيانة وخوف وفقدان. يصبح مسرحًا رمزيًا يُعرض فيه العجز الذكوري، والخذلان العاطفي، والارتباك الوجودي.
-
المرأة: ما نلاحظه و يثير الاهتمام هنا أن المرأة/ الزوجة، لا تظهر في النص ككائن فعلي، بل كمرآة لأوهام البطل ومخاوفه. لم نسمع صوتها، ولا تفعل شيئًا بإرادتها، بل يتمّ إسقاط كل التخيّلات عليها؛ و هذا تعبير رمزي عن الخيانة المُتخيَّلة التي تسكن لاوعي الشخصية الذكورية المهزوزة.
الانتحار: هل يمكن النظر إلى حادثة الانتحار على أنها نهاية فقط كأيّ نهاية؟ لا أعتقد .. هي ليست نهايةً فقط، بل كشف للحقيقة: فكل ما مضى لم يكن إلا تخيّلًا. إذ يُمثل الانتحار هنا لحظة فكّ اشتباكٍ بين الخيال والواقع. لكنه أيضًا يعمّق المأساة؛ لأن الوعي بالحقيقة لم يأتِ إلا بعد فوات الوعي.
“ساعتي ماركة Police” هو سرد داخلي مأزوم لشخص يعاني من ذهان ارتيابي حاد، تتخلله هلاوس بصرية وأوهام منظمة تنتهي بانتحاره، معتقدًا أنه يقتص من خيانة وهمية. الزوجة والابن والرجل الآخر ليسوا إلا أقنعة لهواجس البطل ومخاوفه المسقطة.
النص يقدّم مأساة إنسان ابتلعه عقله حين عجز عن التكيف مع عالمٍ يراه مهددًا في كل تفاصيله، حتى في الحب.
“ساعتي ماركة Police” سرد داخلي مأزوم لشخص يعاني من ذهان ارتيابي حاد، تتخلله هلاوس بصرية وأوهام منظمة تنتهي بانتحاره، معتقدًا أنه يقتص من خيانة وهمية. الزوجة والابن والرجل الآخر ليسوا إلا أقنعة لهواجس البطل ومخاوفه المسقطة.
النص يقدّم مأساة إنسان ابتلعه عقله حين عجز عن التكيف مع عالمٍ يراه مهددًا في كل تفاصيله، حتى في الحب.
فالنص يُحاكي الذهان في شكله ولغته وسرده، حيث الحكاية ليست ما يحدث، بل ما يتوهّم أنه يحدث. يحوّل الكاتب الزمن، الحب، الذات، والخيانة كلها إلى رموز متداخلة تُفكك تحت وطأة اللاوعي المضطرب لتنتقل العدوى إلى القارئ نفسه فيُصاب بعدوى الحيرة، ليُجبر على خوض التجربة النفسية لا فقط قراءتها.
و أضمّ لدراستي المتواضعة ما ضمنته في تعليقي على القصّة:
قصة “ساعة ماركة POLICE” قصّة جدليّة، تفتح أبواب التأويل المختلف، لتضع القارئ في وضع التباسٍ عند كل نقطةٍ منها أو مشهد.. و هذا عنصر قوّة فيها لا ضعف. و هذا ما تمتلكه ملكة ” محمد البنا” الذي يُمارس اللعب على وتر التلقّي، في نصوصه التي تلعب الحالة النفسيّة للشخصيات دور البطولة في صياغة الحدث و رسم الشخصيات. و القصة التي بين يدينا تنتمي إلى المدرسة السردية النفسية (Psychological Fiction) مع عناصر واضحة من الواقعية السحرية (Magical Realism)ً وأدب العبث (Absurdist Fiction)، ويمكن تصنيفها أيضًا ضمن أدب اللاوعي/الكابوسي أو الكافكاوي (Surrealist or Kafkaesque Literature).
و لن أتعمّق في التفاصيل التي دعتني لنسب هذه القصّة إلى تلك المدارس المتعدّدة، لكنّ سردينها هي التي أخذتني إلى تلك الأنساب..و لكن سؤالي هو لماذا هذا المزيج؟ أو ما الذي جعلني أحدّد هذا النسب؟
برأيي لأن القصة ترفض الانتماء لجنسٍ أدبي واحد، فهي تستخدم التشويق النفسي كأداة، وتدمج الغرابة مع العمق الفلسفي، وتقدم رمزية مفتوحة(مثل الساعة كرمز للوقت والموت). إنها أيضًا تأخذي إلى أنها أقرب إلى “أدب الكابوس” حيث الحبكة تُبنى على كوابيس ذات دلالات نفسية.
إنني أرى صموئيل بيكيت يطل بعبثيته، فرانز كافكا في اللامعنى و إدغار آلان بو و أدب الرعب النفسي، حيث يأتي الرعب من تدهور الحالة الذهنية للبطل..
تكتب أنت و ننشغل نحن…
أرفع لك القبّعة
النصّ:
ساعتي ماركة police
استيقظت وحدي هذه المرة، على عكس ما عودتني عليه زوجتي الحبيبة، إذ كانت طيلة أعوامنا السابقة تحرص أن تستيقظ قبلي، وتنسل بخفة من تحت الغطاء، وتسارع إلى مزاولة طقسها المعتاد، الذي ما تنهيه عادة بإعداد مائدة الإفطار، ثم تأتي إلي بخطى رشيقة وتوقظني..تحسست بيدي جسدها البض المتماوجة تضاريسه؛ لم تصطدم أناملي سوى بفراشٍ مبعثر، فتحت عيني لم أجدها، استدرت للجهة الأخرى، تناولت ساعتي ال ( police), كانت عقاربها تشير للثالثة فجرًا، فازدادت حيرتي؛ تراها أين ذهبت؟!
نهضت من فراشي وما إن اقتربت خطواتي من باب حمامنا؛ تنامى إلى أذني فحيح آهاتٍ مكتومة، اشتعل الشك في رأسي، فدفعت الباب الموارب، وإذ بي أتفاجأ بمشهدٍ شاب له شعري؛ منتصبة على قدميها والرجل جالس على ركبتيه، هممت أن أهرول لأحضر سكينًا واقتلهما معًا، لولا آخر نظرة استقرت في حدقتي قبل استداراتي، كانت ساعتي ال police تلمع محيطة برسغه، الذي يحيط بدوره بخصر امرأتي، وعقاربها تشير للثانية فجرا.
تسحبت على أطراف أصابعي وأنا أكتم ضحكتي الساخرة من نفسي، وحرصت وأنا اتمدد بجوارها ألا أحدث حركة مفاجئة قد توقظها.
عندما عدت من دوامي اليومي، بادرت بخلع ملابسي ثم الاستلقاء على سريري، وما إن مرت دقائق غفوت فيها، استيقظت فزعًا إثر صرخة ابني الوحيد
” شكرا شكرا شكرا يابابا، هدية جميلة”
عن أي هديةٍ يتحدث؟ أنا لم اشتر له اليوم شيئا!
إلا أن ما حدث بعدها هو ما دنا بي إلى حافة الجنون؛ الرجل ينهض جالسًا على نفس الفراش الذي أنا مستلقٍ عليه، ويحتضن ابني بحنو، والساعة نفسها يبدو بريقها، استدرت بكامل جسدي أتبين ساعتي؛ وجدتها كما تركتها قبل غفوتي ساكنة على سطح المائدة الصغيرة بجواري، التفت لهما مرة أخرى؛ لم أجد شيئا!.
لا أدري كم مضى من وقت على تلك الحادثة الغريبة، ولكني حين استيقظت هذه المرة؛ قتلتني المفاجأة، وجدت زوجتي تتأوه وهو يضاجعها، في البداية لم أعر الأمر اهتماما، فقد أقنعت نفسي بعد تكرار هذه الغرائب أن الأمر كله مجرد أحلام أو هلاوس بصرية، إلا أن الساعة التي كانت في يده، كانت هى نفسها ساعتي التي اختفت من موضعها على سطح طاولتي الصغيرة، اندفعت بكل ما أوتيت من قوة تجاههما، فاخترقت أجسادهما، لكنهما لم يكفا عما يفعلانه، بل زادت وتيرة تأوهاتهما!
الآن والآن فقط تذكرت شيئًا، يبدو أن لاوعي كان حريصًا أن يخفيه عني، بل وربما يمحوه من ذاكرتي، تذكرت أن حادثة الاختراق تلك مختلقة، وأن الواقع لم يكن كذلك أبدًا، بل كان مرًا وصعبًا ولا يمكن لعقلي تقبله أو احتماله، إذ عندما عدت ظهيرة يومٍ من أيام العطلات الرسمية، وكنت قد استدعيت فيه بناءً على إلحاح من رئيسي، لاستكمال عملٍ ما، عدت فوجدتها غارقة معه في مستنقع الرذيلة، تجاوزت دهشتي وجريت صوب درج مكتبي، وقبل أن يستفيقا من أثر الصدمة، تناولت مسدسي، وأطلقت منه رصاصة واحدة، حينها لم استيقظ ولم أضحك ساخرًا من نفسي وأحلامي وأوهامي، بل تيقنت أنني ميتٌ لا محالة، خاصة وأن آخر شيء لمحته عيني؛ الساعة ال police المطوقة رسغي!
الكاتبة سمية الإسماعيل