عوالم متقاطعة
تشريح البنية السردية والرمزية في “بين طابقين” بين الواقعية السحرية والوجودية
كالعادة، يقدم لنا عبد الغني تلمم طبقًا يمزج فيه الواقعية السحرية ذات البعد الرمزي–النفسي، بتأثيرات من الأدب اللاتيني والروح الصوفية المغاربية، وفيه نَفَس أخلاقي عميق يجعل منه تأملًا أدبيًا في مفاهيم: الغفران، الذنب، العدالة، الأمومة، والعودة إلى الذات.
تقدمة للنصّ
ينتمي النص القصصي “بين طابقين” لعبد الغني تلمم إلى الكتابة الرمزية ذات البعد الوجداني والفلسفي، ويقدّم تجربة سردية محكمة تتجاوز الواقعي إلى العجائبي، والحياتي إلى الروحي.
تتأرجح القصة بين مستويات متعددة من المعنى، وتُوظّف تقنية المفارقة المكانية والنفسية لتقديم طرح وجودي وأخلاقي حول العفو، الذنب، والأمومة، من خلال سرد درامي متماسك ومحمّل بالإيحاء.
الفكرة العامة
يقوم النص على ثيمة التحوّل الداخلي الناتج عن مواجهة الذات في لحظة صدع عاطفي ومكاني.
ينطلق من خلاف زوجي ظاهره عادي، وينتهي بتجربة روحية يتقاطع فيها العفو الإنساني مع العدل الإلهي.
تَقدّم القصة أطروحة ضمنية عن الحاجة إلى التسامح كشرط للشفاء من الذات المعذّبة.
التحليل البنيوي
العقدة السردية:
تبدأ القصة بوصف واقعي ليلي عاصف، حيث يظهر الصراع الزوجي حول موضوع تبني صبيّ، مما يكشف عن أزمة العلاقة بين الزوجين – العقم كرمز للعجز الذكوري.
ثم يبدأ التصاعد الدرامي عندما يتحول النقاش إلى شجار عنيف، ويهرب الزوج إلى النادي، ليقرر عبور المقبرة في طريق عودته.
هنا ينتقل السرد من الواقعي إلى الفانتازي. وفي هذا التحول نصل إلى الذروة في لقاء الزوج مع الأموات في المقبرة، وحواره معهم حول العدالة والغفران، خاصة مع ظهور الأخرس الذي يرفض مسامحة لصوص سرقوا أمه.
لينتقل بنا السرد نحو النهاية في عودة الزوج إلى المنزل ليجد نفسه ملقى على الأرض كأنه ميت أو منفصل عن جسده، ثم “صحوته” المصحوبة بمصالحة زوجية هشة.
الشخصيات
-
الزوج (البطل / الراوي): شخصية معقدة تجسد الأزمة الذكورية (العقم، الغضب، الخوف من الموت). قابلة للتحوّل، تبدأ من التوتر الذكوري إلى النضج العاطفي والروحي.
-
الزوجة: تمثل القوة الخفية، فهي من تبدأ الصراع وتنهيه بقبولها الضمني لزوجها رغم إهانته لها. حضورها رمزي؛ لكنها تمثّل الحافز الأول للتغيير. طلبها التبنّي يرمز إلى كسر النرجسية الذكورية.
-
الأموات / اللصوص: رموز للذنب والعقاب، يجسّدون فكرة العذاب الممتد ما لم يتحقق الصفح، وهم وسيلة لطرح الأسئلة الوجودية حول العدل والغفران.
-
الشاب الأخرس: تمثيل للحقّ الصامت، لثأر المقهورين الذين لا صوت لهم.
-
الأم الطيفية: تتجاوز الواقع لتجسّد الرحمة الإلهية، صوت العفو المتعالي.
الزمان والمكان
-
الزمان: ليلة عاصفة، زمن درامي يعكس التوتر النفسي.
اختيار هذه الليلة يجعلها بمثابة موسيقى تصويرية للأحداث، فكل لحظة منها تضخّ في النصّ إيقاعًا نفسيًا عميقًا. -
المكان: ملعب الأحداث ولكل فضاء دلالته الخاصة:
-
المنزل: فضاء الصراع الزوجي.
-
المقبرة: فضاء رمزي للصراع مع الموت والذنب.
-
الرؤية السردية
جاء السرد – كأغلب سرديات عبد الغني تلمم – بضمير الأنا الذي يمثل الرؤية الداخلية، مما يعمّق التماهي مع أفكار البطل المتناقضة: الغضب / الندم / الخوف.
التحليل التقني (التقنيات السردية)
نتساءل: ما الأدوات الفنية التي يستخدمها عبد الغني تلمم لبناء عالمه التخييلي وتوجيه القارئ داخل نصّه “بين طابقين”؟
في سبر عميق للنص نجد ما يلي:
-
الانزياح من الواقعي إلى الفانتازي:
يبدأ النص بواقعية اجتماعية (مشكلة العقم) ثم يتحول إلى لقاء خارق مع الأموات، مما يخلق عالمًا من المفارقة السردية. -
الحوار الداخلي:
يستخدمه الكاتب لتكثيف الصراع النفسي، مثل قوله:
“هل تصدقون جرأتها؟ أنا الآن في الأسفل وهي تنظر إلي بنظرات أخرى.”
-
تقنية الفلاش باك النفسي:
حين يسترجع الراوي مشاهد من خلافه مع زوجته وهو وسط المقبرة. -
الانزياح اللغوي:
لغة حالمة مجازية محمّلة بالصور والاستعارات، تتجاوز المباشر نحو الشعرية الرمزية.
الرمزية في النص
يُوظّف الكاتب الرموز لإيصال دلالات نفسية، اجتماعية، وفلسفية تُضفي على السرد عمقًا تأويليًا، منها:
-
العقم: رمز لفشل الذكورة التقليدية في تحقيق التكاثر الاجتماعي والعاطفي.
-
المقبرة: ليست مكانًا للموتى فحسب، بل ساحة للمحاكمة الأخلاقية.
-
النار:
-
في المقبرة: نار العذاب.
-
في البيت: نار الموقد التي ترمز إلى المصالحة والدفء الإنساني.
-
المفارقة
تُستخدم المفارقة كأداة للكشف عن التناقض بين ما يُقال وما يُقصد، أو بين التوقع والواقع، لتوليد الدهشة والتكثيف الدلالي:
-
الزوج يهرب من مواجهة زوجته ليواجه “موتى” أكثر قسوة!
-
المشهد الأخير حين يرى جسده منفصلًا عنه، كناية عن انفصاله عن ذاته الأخلاقية.
الخلطة السحرية
يقدّم عبد الغني تلمم خلطة سردية تجمع بين:
-
الواقعية السحرية: الدمج بين اليومي والعجيب، بين مشكلة العقم وحوار الأموات.
“وجدتني الوحيد بينهم من ينبعث له ظل أمام ثلاثة أموات أحياء.”
-
السريالية (الغرائبية): في الصور الحلمية مثل المقبرة الضبابية والأموات المتكلمون.
“تجلت منه سيدة ذات سكينة ونور – سامحهم يا ولدي.”
-
الوجودية: في طرح أسئلة الذنب، الغفران، والعدالة الوجودية.
“كيف لمن يطمع في عفو الله ألّا يعفو؟”
-
الأدب القوطي: بأجواء الرعب النفسي والرمزي.
“الضباب يتسلل بين الشواهد كأشباح تبحث عن فريسة آدمية.”
الخلاصة
سرديّة “بين طابقين” لعبد الغني تلمم تُبنى على تناقضات بنيوية (واقعي / فانتازي، حياة / موت، ذنب / غفران)، وتوظّف تقنيات سردية متقدمة (انزياح، حوار داخلي، رمزية) لطرح أسئلة وجودية عميقة.
هذا المزيج يجعل القصة نموذجًا لأدب ما بعد الحداثة العربي، حيث تتفكك الحدود بين الواقع والمتخيل لتعكس أزمات الإنسان المعاصر في بحثه عن معنى الحياة والصفح.
النص الأصلي
بين طابقين عبد الغني تلمم
كانت ليلة عاصفة ونحن على طاولة العشاء. الريح تلعب بالستائر وصرصرتها تنبئ عن مطر وشيك. وبما أن لا ريح بدون دوي نافذة منسية، فاجأتني زوجتي بالسؤال المشؤوم:
“لماذا لا نتبنى صبياً؟”
دقات منتصف الليل التي أطلقتها الساعة بدت كجرس جولة ملاكمة قادمة. تلك البائسة كانت تعلم رفضي للأمر، لكنهن النساء، للجروح الدامية هن كما صائدو الكنوز للمغارات الموحشة.
شق البرق ظلمة الطابق الأول حيث الملاسنة تصاعدت بيننا حتى غطى صراخنا على ضربات الرعد المتتالية.. عاودت الإلحاح على الصبي.. عاودت الممانعة.. قامت قيامتها.. قمت غاضباً فأمسكت بي وأطلقت الكلمة المحظورة:
“العقيم!!”
هل تصدقون جرأتها؟ أنا الآن في الأسفل وهي تنظر إلي بنظرات أخرى. البرد شديد وإهانتها أشد، لذلك تركتها والتحقت بالنادي. هناك وحيداً جلست أركل كيس الرمل قدر ما شئت وبقوة ما اشتهيت.
حين هممت بالمغادرة كان الليل ما يزال زلة، والسماء تمطر بالمدرار. لا أثر لتاكسي، ولا مناص من اختصار تلك القشعريرة الليلية إلا باجتياز المقبرة الموحشة.
الضباب يتسلل بين الشواهد كأشباح تبحث عن فريسة آدمية، وأصوات خفيضة تنبعث من أرجاء المقبرة. لا أدري أهي بسبب المطر أم مجرد تهيؤات نفسية. أسرعت الخطى، فمهما جسرنا، تبقى للموت هيبة في الليل تثقل على القلب.
وأنا أتلمس الطريق بين الشواهد، آنست ناراً بين قبرين تنبعث منها همهمات بعض الفتية فخفَّت رعشتي واستكان فؤادي. ثلاثة فتية يمكنني تدبر أمرهم إن ساءت الأمور.
جلست القرفصاء أمام الموقد لما سألني أحدهم وهو يبدي امتعاضه من استدفائي:
“هذه النار ليست لك، انج بنفسك!”
ما أغباه! وهل ينأى البطل عن نار في تلك الليلة الباردة؛ لم ينل مني التفاتة، وفركت أصابعي فوق الموقد ثم أجبته مظهرا وبسخرية:
“الخوف يكون من الموتى أو الجن وما أرى لك ظلفا أو قرنا يا فتى.”
ساعتها تبادل مع الآخرين نظرات غريبة ورد على مزاحي بمحاولة ترهيب فاشلة:
“ذاك ما نقصد!!”
انفجرت بالضحك وأنا أنظر إليه يحاول تفزيع من كاد يقطع حبله السري بيده، لكن ليس بعد أن تفقدتهم، فوجدتني الوحيد بينهم من ينبعث له ظل.
تثاقلت الكلمات في فمي، جف حلقي، بل كدت أمطر من تحتي حين أدركت أني أمام ثلاثة أموات أحياء.
علم الرهط ما يختلجني فابتسم الأول بحرقة غريبة وهمس لي وهو يسترق النظر إلى القبرين:
“تنظر إلينا كأنك مخلد. ما دنياكم لنا إلا قبر كبير نطل عليه من لحودنا.”
ثم أردف:
“يا هذا! غداً ستكتشف أن دنياك أولى دركات العذاب.”
اقترب مني كبيرهم وهو يحرك نار الموقد. رباه، ماذا أرى؟! النار لم تكن للاستدفاء، إنها نار تحرّق أصابعهم وليسوا منها بفكاك.
قال لي بأسى يكاد يفلق ما بين عينيه وهو يتأمل أصابعه الملتهبة:
“تتساءل لم نحن هنا.. نحن الثلاثة كنا نمتهن السرقة. ذات ليلة اعترضنا أخرس وسلبناه كيس سفره وحصانه. ظل يستعطفنا بحركاته وأناته ونحن نتضاحك غير مبالين.”
قصة مؤلمة، لكن ما علاقة ذلك بتواجدهم بالمقبرة؟ بل لم تجلوا لي أنا بالذات. لحظتها زفر الثلاثة وأردف كبيرهم:
“في الغد اقتادتنا أقدارنا لقبيلته فتفاجأنا بجنازة يتقدمها ذاك الشاب الأخرس. كانت أمه، وكان يبكيها بحرقة حتى تقززنا من أنفسنا لدرجة أننا هجرنا السرقة.”
قصة مؤلمة أنستني سبب تواجدي معهم وسبب تواجدهم بين تانك القبرين.
نظر إلى أوسطهم حين علم ما يجول بخاطري واستطرد قائلا:
“كلما طلبنا أن يخفف عنا عذاب القبر نُخبَر أن دعاء الشاب يحول دون ذلك، فنعذب بحرق أصابعنا عند قبره.”
في تلك اللحظة، لاح لي لوح وهمست لهم مبشرا:
“والله ما أراه إلا مسامحكم؛ ما أوقفكم الله على قبره إلا وقد سبق في علمه أنه سيسامحكم.”
لحظتها تهللت وجوههم كلصوص أخبروا بقافلة شامية ونظروا إلي لأول مرة بغير النظرة التي لقوني بها.
لم أكن ولياً ولا عالماً لأفتي لهم، لكني عبرت عما جال في خاطري وأردفت مطمئناً:
“كيف لمن يطمع في عفو الله ومغفرته ألا يعفو ويصفح ويتجاوز عمن ظلمه؟!”
لم أكمل حديثي حتى هدأت السماء وانقطع السيل، لكن الرهط تملكهم خوف وفزع. ظننتني خففت عنهم، فإذا بهم ينظرون إلى الأخرس وقد تجلى لهم من قبره.
تحاشاهم وصرخ في وعيناه كأنهما فوهتا بركانين ثائرين منذ بدء الخليقة:
“كانت أمي وصوتي إلى العالم، سهرت علي صغيراً، لما مات أبي عزفت عن الزواج، وحين مرضت باعت دملجها الوحيد لتعالجني. لكن حين أتى وقت رد الجميل سلبوني إياها وماتت مخنوقة مزرقة وبنظرة طلب استغاثة مجمدة في عينيها المفتوحتين. لن أسامحهم حتى لو استعطفوني إلى أبد الآبدين.”
يا للعار! أخرس موجوع يحمل ثأر أمه، حتى يلقى ربه وأنا لا أكاد أميز قبر أمي بين القبور.
لكن اللسان جرى بكلمات ما ظننتني قلتها لغيره قبل تلك الليلة:
“حب الأم مهما غلا لا يغلو على عفو الله. يا أخي اغفر يغفر لك، اصفح يصفح عنك، تجاوز يتجاوز عنك. أتطمع في العفو بقلب مليء بالانتقام؟”
ساعتها نشغ وهوى على قبر أمه يضمه ويصرخ:
“إنه القصاص يا هذا، حرموني جنة الدنيا فليحرموا جنة الآخرة.”
كان الثلاثة يسمعونه في حالة من الهوان واليأس، يحرِّقون أصابعهم ويمنون النفس بمعجزة هيهات أن تحدث. فجأة أضاءت الدنيا بشفق متماوج يشد الألباب تجلت منه سيدة ذات سكينة ونور.
وضعت يدها الوضاءة – وكل ما فيها وضاء – على ظهر الشاب المهرق فوق الراموس وصدحت:
“سامحهم يا ولدي.”
في تلك اللحظة هبت من محيا الثلاثة رامسات ابتسامة مشعة ابتلعت آثار الأسى والانتظار، بينما الموجوع يحاول جاهداً تلقف طيف أمه وهي تتلاشى في الأفق. فجأة تبددت أطياف الأربعة واستحالت ذرات متلألئة كندفات ثلج أصابها سناء ليلة مقمرة وتسربت إلى القبور حيث العفو الأكبر.
أما أنا فكنت أعوم في انسلاخ شبه تام من كل ما هو دنيوي. لما هدأت روعتي تذكرت نصيحتي إلى الشاب وطرت إلى زوجتي التي تركتها في تلك الليلة العاصفة.
تبدد الغضب من قلبي وأحسست بوحشة إليها، أسابق أنفاسي إليها لأضمها وأستسمحها، لكني حين وصلت البيت رأيت عجباً:
شخص مهرق على وجهه تحت سلم الدرجات وزوجتي تنوح وتحاول إفاقته كأنه ولي حميم.
البرد بدأ يخف في أوصالي والدم يعاود مجراه في أوداجي. هويت على الغريب أقلبه لأعرف من المستبيح بيتي. لكن ما هذا؟! الجسد المهرق جسدي أنا، كيف يعقل؟!
ما إن لمسْتُني أو لمسته أو أيا يكن، حتى أحسست بالهواء الدافئ يملأني وصرت أنا والجسد كيانا واحدا.. ثم تفتح نظري على زوجتي الباكية قبل أن ينقلب الأسى فرحة تعتري وجهها الجميل.
بدأت تقبلني وتعتذر.. لم أكن أعي ما تقول، كان ذهني مشتتاً، أحاول فهم ما جرى.
ساعدتني على الوقوف واقتادتني في حضنها إلى الأريكة لأستدفئ على نار الموقد وعلى دقات الساعة التي كانت ما تزال تشير لمنتصف الليل في الطابق الأعلى.
الكاتبة سمية الإسماعيل