وهم الصواب لماذا يُصرّ المعارض على صحة ادعاءاته دون مراجعة واقعية؟ للكاتب ماجد القيسي

في خضم أي سجال فكري أو سياسي، يبرز نمط متكرر لدى بعض المعارضين يتمثل في التمسك الشديد بادعاءاتهم، والإصرار على صدقيتها، حتى وإن بدت متناقضة مع الواقع أو خالية من الأسس المنطقية.

هذا السلوك لا يعد محض عنادٍ شخصي فحسب، بل هو انعكاس لتركيبة نفسية واجتماعية وفكرية معقدة.
والسؤال الجوهري هنا:
لماذا يصرّ المعارض على صحة ما يدعيه، رغم وضوح الأدلة التي تدحض موقفه؟
ولماذا يرفض إجراء أي مراجعة موضوعية لقناعاته؟

الهوية الفكرية والانتماء النفسي

كثير من المعارضين لا يرون في مواقفهم مجرد آراء قابلة للنقاش، بل يعتبرونها جزءاً من هويتهم الشخصية.
وحين ترتبط القناعة الفكرية بالهوية، تصبح المراجعة أو التراجع عنها تهديداً للذات، وليس مجرد تعديل في الرأي.
بالتالي، يصبح الدفاع عن الادعاء دفاعاً عن الكرامة والانتماء، لا عن الحقيقة.

 العداء العاطفي لا العقلاني

غالباً ما تُبنى المعارضة على مشاعر سلبية قوية تجاه الطرف الآخر، كالغضب أو الإحباط أو خيبة الأمل.
هذه المشاعر تعمي العقل عن التقييم الموضوعي، وتدفع إلى تبني مواقف حادة غير قابلة للمراجعة.
فالمعارض هنا لا يبحث عن الحقيقة، بل عن التفوق الأخلاقي والانتقام الرمزي من الخصم.

 الانغلاق المعرفي وفقاعات التأكيد

في عصر الإعلام المنحاز ووسائل التواصل الاجتماعي، بات سهلاً على أي شخص أن يعيش في فقاعة تأكيد تُغذيه فقط بالمعلومات التي تدعم قناعاته، وتحجبه عن أي رأي مخالف.
هذه البيئة تجعل المعارض يتوهم أن رؤيته هي الوحيدة الصحيحة، وأن أي رأي مغاير هو مؤامرة أو جهل أو خيانة.

 الخوف من فقدان المصداقية

في بعض الأحيان، يكون المعارض قد بنى سمعته أو حضوره الاجتماعي على مواقفه، فيخشى أن يؤدي التراجع أو الاعتراف بالخطأ إلى فقدان احترام الآخرين له أو تشكيكهم في قدراته.
هذا يدفعه إلى مواصلة الدفاع عن ادعاءاته، حتى وإن بدا داخلياً غير مقتنع بها.

 غياب الثقافة النقدية والمراجعة الذاتية

البيئات التي تفتقر إلى التعليم النقدي والحوار العقلاني تُنتج أشخاصاً يخلطون بين الإيمان الأعمى بالحقيقة والتفكير العقلاني فيها.
فلا يُدرّب الفرد على التساؤل ولا على احتمال الخطأ، بل يُكافَأ على الصلابة والثبات، حتى لو كانت هذه الصلابة في الباطل.

 الإحساس بالمظلومية

يشعر كثير من المعارضين بأنهم مهمَّشون أو مقصيون، وهذا الشعور بالمظلومية يتحول إلى مرآة مشوّهة تعكس الواقع بطريقة مقلوبة.
فهم يرون في أي نقد لمواقفهم استمراراً للظلم، وفي أي مراجعة لفكرهم تنازلاً غير مقبول عن “حقهم” في المعارضة.

 خلاصة القول

إن الإصرار على صحة الادعاءات دون مراجعة واقعية ليس دليلاً على قوة الموقف، بل في كثير من الأحيان علامة على هشاشته.
فالفكر القوي لا يخشى المراجعة، والعقل الواعي لا يتردد في التراجع عندما تتكشف الحقائق.

المطلوب من المعارض الحقيقي أن يكون حارساً للحق، لا أسيراً للانفعال، وأن يدرك أن المراجعة ليست خيانة، بل شجاعة فكرية.

فالعقل لا يزدهر في التصلب،
بل في الانفتاح على احتمال الخطأ،
والسعي الدائم نحو الحقيقة، مهما كانت مُرّة.

الكاتب ماجد القيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *