الفلسفة الغنو-صوفية في (وحدة الوجود) عند ابن عربي وسبينوزا ل د. علي أحمد جديد 

لأنّ ظاهرة التصوّف ظاهرة عالميّة عابرة للأديان وللزمان والمكان،
فهي تجربة ذاتيّة فرديّة، كمذهب روحيّ يتمثّل في كلّ الديانات،
وفيها يسعى المتصوِّف لاكتشاف المعرفة الغنوصية ليكون العارف لحقيقية الوجود وجوهره من خلال تصفية القلب،
والتأمّل، والتخلّي عن رغبات الجسد وشهواته، وعن كلّ العيوب الإنسانية والنقائص الأخلاقيّة،
للتحلّي بالفضائل والتواضع والتقشّف والزهد.

التصوّف في الديانات السماوية

باستعراض عناصر التشابه والاختلاف في التصوّف المعرفي (الغنوصي) عند الديانات السماوية الثلاث،
نجِدُ ثمّة مُشتَرَكاً موجوداً عند متصوّفي هذه الديانات،
ويظهر ذلك من خلال ممارسة بعض الطقوس من الناحية الظاهرية،
سواء في طقوس الذِكر والإنشاد التي يركّز فيها الشخص المتصوّف على كلمات معيّنة ويردّدها حتى يصل إلى ذروة الشعور،
أو في طقوس التأمّل التي تتمّ بالتركيز على ترديد كلمةٍ معيّنة وتكرارها وفق نغمات خاصّة.

المتصوّفة من اليهود يركّزون على اسم الرب (يَهْوَه)،
والمتصوّفة من المسيحيّين على اسم السيدة مريم العذراء أو أبانا الذي في السموات،
أما المتصوّفة من المسلمين فيركّزون على اسم الله أو الصلاة على محمّد وآل محمّد،
مع استخدام التنفّس العميق المنتظم في الشهيق والزفير.

وقد يكون التركيز التأمّليّ على الصدقية الروحيّة عند المتصوّفين اليهود في القَبّالة الحسيدية،
أو تلك التي يتمّ التركيز فيها لدى غير اليهود على المشاعر التي يثيرها وجود الربّ، أو المسيح، أو حضرة الرسول الأكرم ﷺ.

طقوس التلاوة والخلوة

في طقوس التلاوة، ثمّة اشتراك بين متصوّفي الديانات الثلاث في قراءة الأذكار،
أو التلاوة من الكتب المقدّسة، على أن تكون القراءة صامتة أو بصوت جهوريّ،
وعلى تكرار كلمة أو عبارة واحدة أثناء القراءة أو التلاوة.

وهناك شبه اتفاق ضمني على أنّ القراءة الصامتة هي الطريق الأسلم إلى القلب وإلى تنمية الحسّ الذي من خلاله يمكن الحصول على النور والتقرّب من الله تعالى.

مفهوم الخلوة

لأنّ مفهوم الخلوة ذو أصلٍ دينيّ عند متصوّفي الديانات الثلاث،
فقد اعتكف الأنبياء بعيداً عن أعين الناس للتأمل والصلاة ومناجاة الله،
سواء موسى في طور سيناء، أو المسيح على جبل الزيتون، أو النبي محمد ﷺ في غار حراء.

وبذلك ينسجم مفهوم الخلوة لدى المتصوّفين كدلالة رمزيّة تعني الانعزال عن الناس والتأمّل في ذات الله وفي خلقه.
ولها منافع عديدة، فهي تُنعش الروح، وعلى قَدر اتّساع الصحارى والجبال تتّسع آفاق النفس ومعها القلب والفكر.
وتلك الدلالة نجدها ماثلة عند متصوّفي الديانات الثلاث.

مفهوم وحدة الوجود

وحدة الوجود تعني المماثلة بين الله وبين الوجود،
فالله والوجود هما واحد، الله هو كلّ شيء وكلّ شيء هو الله،
ووجود الله يسري في كلّ شيء.

هذا المفهوم متّفق عليه من قبل المتصوّفين في الديانات الثلاث،
وبصورة خاصة عند سبينوزا وابن عربي، وكذلك عند الحلّاج، كما هي عند ليكهارت الذي يؤكّد أن الله هو المتعالي فوق الوجود.

يحاول المتصوّفون استحضار ذلك الموجود المتعالي (الله)،
لكن تختلف النظرة إلى “وحدة الوجود” باعتبار أنّ الله ماثل في الطبيعة على سبيل الدوام،
أو أنه مفارق للطبيعة لكنّه يتجلى للموجودات — وهي نظرة المتصوّفين المسلمين.

العشق الإلهي

في مفهوم الحبّ أو العشق الإلهيّ، فإنَّ الله هو الموضوع الأوّل لفضيلة المحبّة عند متصوّفي الديانات الثلاث،
باعتباره واجب الوجود، وذي الصفات الكماليّة التي تكشف عن الجمال والرحمة والعدالة الإلهيّة.

فالعشق الإلهيّ له طابع فرديّ داخليّ في التجربة الصوفيّة الإسلاميّة،
وهو الحبّ المتسامي بين الإنسان والوجود، وهو الفناء في ذات الله،
والاتّحاد فيه والاتّصال بنوره والوصول لمقام الشهود.

أما في التجربة الصوفيّة المسيحيّة فهو المحبّة والإيمان والرجاء والوصول إلى نور الله.
وعند القَبّالة اليهودية يرتكز على حلول الربّ في شعبه “المختار”.

التصوّف اليهودي والمسيحي والإسلامي

وبالتالي فإن الكلّ يتّجه إلى الربّ (يَهْوَه) نور الأنوار،
يتوحّد به ويشاركه في المعرفة وفي وضع أقدار الآخرين.
وبذلك يكون المتصوّف الحقيقي في الديانة اليهودية غنوصيًّا قَبَّاليًّا (عارفًا)،
إلّا أنّها تبدو نظرة متعالية لأنهم، وطبقاً لتعاليم التلمود اليهودي المقدّس، من روح الربّ،
وبقية الأرواح هي من أرواح الشياطين (الأغيار).

أما في التصوّف المسيحيّ، فيمرّ الاتحاد بالله عبر ثلاث فضائل:
الإيمان، المحبّة، الرجاء،
ويقول المونسينيور “غي”:

“بالإيمان يصبح نور الله نورنا، وحكمته حكمتنا، وعمله عملنا، وروحه روحنا.”

ويكون الاتحاد بالله من خلال الأقانيم الثلاثة:
الآب، والابن، والروح القدس.

أما الاتصال بالله تعالى في التصوّف الإسلاميّ فهو اتصال شهوديّ عرفانيّ،
عبر الأنوار والإشراقات والفيوضات، وتجليات الصفات الإلهيّة، وعبر الحب الإلهيّ.

ومن هنا، فإن مفهوم الحب الإلهيّ يتّفق من جانب ويختلف من جانب آخر بين المتصوّفين المسيحيّين والمسلمين.

الشعر الصوفي

يا طبيبَ القلب يا كل المنىٰ
جُدْ بوَصلٍ منك يشفي مهجتي
يا سروري وحياتي دائماً
نشأتي منك وأيضاً نشوتي
قد هجرت الخلق جميعاً أرتجي
منك وصلاً فهل أقضي أمنيتي

فلسفة وحدة الوجود عند ابن عربي وسبينوزا

فكرة وحدة الوجود مذهب فلسفي عند كثيرين من فلاسفة الصوفية،
أشهرهم محيي الدين بن عربي الذي قال:

“إن الله والطبيعة حقيقة واحدة، وإن الله هو الوجود الحق.”

ويرى أن الخلق مجرد ظلال للوجود الحق، فلا موجود إلا الله سبحانه وهو وحده الوجود الحقيقي.
ويقول في شعره:

يا خالقَ الأشياء في نفسه
أنت لِما تَخلقُ جامِعُ
تخلق ما لا ينتهي كونُهُ
فيكَ فأنتَ الضيِّقُ الواسِعُ

ويُعدّ سبينوزا من أبرز من تبنّى هذه الفكرة فلسفيًا،
فقال:

“ما في الوجود إلا الربّ، فالربّ هو الوجود الحق،
وإن قوانين الطبيعة وأوامر الربّ الخالدة شيء واحد بعينه.”

وأكد أن “الطبيعة والربّ في آن واحد”،
فهو يرى أن الكون والوجود وجهان لحقيقة واحدة.

نقد ابن تيمية

قال ابن تيمية:

“يقولون إن الوجود واحد كما يقول ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني،
فإنهم لا يجعلون للخالق سبحانه وجوداً مبايناً لوجود المخلوق…
وهم يأخذون من كلام الفلاسفة شيئاً ومن القول الفاسد من كلام المتصوّفة شيئاً،
فيطوفون على أبواب المذاهب ويفوزون بأخَسِّ المطالب.”

خلاصة

تقوم نظرية وحدة الوجود على أن الكون عين أعيان الثابتة،
وأعيان الثابتة هي عين علم الله سبحانه وتعالى.
ويقول ابن عربي:

“إن أسماء الواجب وصفاته جل وعلا عين ذات الواجب سبحانه،
وكذلك بعضها عين بعض الآخر مثل العلم والقدرة،
كما أنهما عين ذاته تعالى كذلك كل منهما عين الآخر أيضاً.”

ـ يتبع ـ


مراجع البحث

  • محيي الدين بن عربي – طه عبد الباقي سرور

  • ابن الفارض والحب الإلهي – د. محمد مصطفى حلمي

  • لسان الميزان – ابن حجر العسقلاني

  • سبينوزا: فلسفة علمية – جيل دولوز

  • رسالة في اللاهوت والسياسة – باروخ سبينوزا

 

د. علي أحمد جديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *