القصة والقصة القصيرة، نوع من فنّ الكتابة النثرية المختصرة، وتكون القصة عادةً أقصر من الرواية التي تتشعب في سرد أحداثها وفي تعدّد شخصياتها.
بينما تتناول القصة القصيرة شخصية مركزية واحدة، أو شخصيات في جوانب محددة من سرديتها للحياة (الحدث)، ولا تتجاوز العشرة آلاف كلمة كحدٍّ أقصى في تقديم الحدث، والذي يكون حدثًا وحيدًا ورئيسيًا في السرد، وغالبًا ضمن مدة زمنية قصيرة ومكان ضيق ومحدود لتستوفي التعبير عن موقف أو جانب واحد ورئيسي من جوانب الحياة.
ولا بد لسرد الحدث في القصة القصيرة أن يكون مركزًا ومنسجمًا دون تشتيت. وغالبًا ما تكون القصة القصيرة وحيدة الشخصية أو بعدد من الشخصيات المتقاربة التي تجتمع في مكان واحد وفي زمان واحد على خلفية الحدث والوضع المراد معالجته من خلال سرده.
كما أن القصة القصيرة نوع من أنواع السرد الذي يتكون من عدة عناصر درامية ومجموعة أشخاص تتداخل في الحدث بما يُعرف بالصراع الدرامي الذي يكتبه كاتب القصة. وبقدر تعقّد الصراع وتشعّبه تكون قوة الحبكة القصصية وإثارتها وتزيد من قيمتها الفنية.
تاريخيًا، بدأ تطور القصة القصيرة قبل أن يتمكن البشر من الكتابة، وذلك للمساعدة في بناء الحكاية وحفظها، إذ اعتمد الراوي المبكر على العبارات العادية والإيقاعات الثابتة وتقارب القافية الواحدة. وبالتالي فإن العديد من أقدم الروايات في التاريخ هي الحكاية البابلية القديمة بعد ما تمت الاستفاضة في سرد أحداث ملحمة جلجامش التي اعتمدت الشعر في سردها.
وفي الواقع، كانت معظم القصص الرئيسية في الشرق القديم تعتمد الشعر في سرد أحداثها مثل:
حرب الآلهة و قصة آدابا البابليتان، وكذلك القوس السماوي و الملك الذي نسي الكنعانيتان.
وقد تمت كتابة هذه الحكايات بالخط المسماري على ألواحٍ من الطين خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، كما تدل ألواح مكتبة إيبلا المكتشفة في تل مرديخ السورية.
ويمكن إرجاع نشأة القصة القصيرة إلى الأساطير القديمة المعروفة اليوم بتسمية الفولكلور أو الخرافات، الموجودة في المجتمعات البشرية في كل العالم. وصحيح أن بعض هذه القصص كانت مدوَّنة ومكتوبة، لكن العديد منها تمَّ تناقله شفويًا كـ الحكاية.
وبحلول القرن الرابع عشر الميلادي، كانت القصص الأكثر شهرة هي ألف ليلة وليلة والحكايات الشعبية وكليلة ودمنة لمؤلفين متعددين، والتي عُرفت فيما بعد باسم الليالي العربية، وكذلك حكايات كانتربري التي كتبها جيفري تشوسر.
ولم تظهر مجموعات القصص القصيرة المطبوعة من قِبَل المؤلفين الفرديين بشكل منتظم إلا في أوائل القرن التاسع عشر.
فالبداية كانت مع حكايات الأخوين غريم الخيالية، ثم الروايات القوطية وقصص مجموعة القط الأسود للكاتب الأمريكي إدغار آلن بو، لتصل في النهاية إلى قصصٍ من تأليف أنطون تشيخوف ونيقولاي غوغول، الذي يُنسب إليه الفضل كمؤسس للقصة القصيرة الحديثة.
وبعد تعميم الطباعة والنشر، نمَتْ شعبية القصة القصيرة مع انتشار المجلات المطبوعة بشكل جماهيري في كل المجتمعات.
وفي العصر الحديث كان أهم الكتّاب العرب الذين أبدعوا كتابة القصة القصيرة:
زكريا تامر وعيسى الناعوري من سوريا،
حسني فريز من الأردن،
محمود تيمور ويوسف إدريس من مصر،
غسان كنفاني من فلسطين،
وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة من لبنان.
أما أهم رواد القصة القصيرة في الغرب فكانوا:
إدغار آلن بو، جي دي موباسان، أنطون تشيخوف، ونيقولاي غوغول الذي يقولون عنه:
“إن كل كُتّاب القصة القصيرة الحديثة خرجوا من تحت معطف غوغول”
نسبةً إلى قصته الشهيرة المعطف.
وكذلك كانت مؤلفات دستويفسكي وغابرييل غارثيا ماركيز.
ولأن القصة القصيرة فنٌّ من الفنون الأدبية النثرية التي تحتل مكانًا مهمًا بين النصوص الأدبية المختلفة، فقد ظهرت في الغرب ثم تأثر بها الأدباء العرب من خلال اطّلاعهم على نماذج القصص الغربية.
وظهرت القصة القصيرة كفنٍّ نثري في الأدب العربي مطلع القرن العشرين المنصرم، إذ اتصفت القصة القصيرة في بداياتها بأنها كانت بسيطة وتقليدية، وربما طويلة نسبيًا عند الرواد، إلا أنها تطورت وأصبحت تعبيرًا فنيًا جديدًا ومكثفًا يصف واقعهم وما يدور حولهم من أحداث متعدّدة.
ثم تطورت فنيات القصة القصيرة من خلال استخدام الأدباء العرب لعناصرها المتعددة سواء في الشخصيات أو الزمان والمكان، أو العقدة والحل والخاتمة، بالإضافة إلى أن الأدباء العرب انتقلوا لاستخدام التقنيات السردية كـ الحوار الداخلي (المونولوج)، والتذكر (الفلاش باك)، وغيرها من تقنيات تأليف القصة القصيرة، وهو ما أدى إلى تطويرها لتصبح بمستوى يختلف عن بداياتها التقليدية، مما أتاح ومازال يتيح لها التجدّد الدائم والقدرة على استيعاب ألوان التشكيل الفني المختلفة إلى أن تمكن كتّابها من جعلها قادرة على التعبير عن رؤية الكاتب وملامسة الواقع بتناسب تام مع العصر.
ومن أهم رواد القصة القصيرة وكتّابها العرب الذين تركوا بصمتهم الخاصة في نشأتها وانتشارها، بعد أن أضافوا إليها عددًا من التقنيات الفنية ولا سيما في بداياتها، فانتقلوا بها من مرحلة التجريب لتكون فنًا دائم التجدد، يأتي في رأس القائمة الأديب زكريا تامر.
وهو أديب سوري وصحفي وكاتب بارع في فن القصة القصيرة، كما أنه من أبرز كتّاب القصة القصيرة في العالم العربي كله.
ولد زكريا تامر في دمشق عام 1931، وكان له الدور الرئيس في تأسيس اتحاد الكتّاب العرب في سوريا.
تُعَدّ كتاباته إحدى الأعمدة الراسخة في كتابة القصة الساخرة في الأدب العربي، ففي كتاباته يحاول أن يُبرز التناقضات والصراعات في الوعي بكل أشكاله، وفي الحياة بشكل عام.
ومنذ صدور مجموعته القصصية الأولى “صهيل الجواد الأبيض” عام 1960، استطاع زكريا تامر أن يكتب قصة قصيرة عربية مليئة بالرموز وبالغرائب التي تحاول أو تهدف إلى تعرية الواقع العربي من الداخل والخارج بسخرية لاذعة، وهو ما جعلها السمة الخاصة بعالمه القصصي.
ويُضاف إلى ذلك سمة الكابوسية في أعماله القصصية، والتي تظهر في الفضاء المكاني الذي يتوزع بين المقبرة والقبو الموحش البارد، أو في الشوارع الضيقة المعتمة المليئة بأبطاله الذين يعانون من القهر والاغتراب والحرمان والضياع بسبب قمع السلطات وبسبب سطوة الفوارق الطبقية في المجتمع الواحد، وكذلك في ما تحمله الحياة من أحداث مختلفة.
هذا كله أعطى قصصه طابعًا خاصًا استطاع من خلاله أن يوجه للمجتمع القائم نقدًا لاذعًا.
وتُعد مجموعته القصصية “النمور في اليوم العاشر” من أهم المجموعات التي حظيت باهتمام كبير من القراء، لما فيها من انتقادات للسلطة والمجتمع والظلم، ومن تركيز على العوالم الذاتية والموضوعية.
وقد تُرجمت قصصه إلى العديد من اللغات الأجنبية، منها:
الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الصينية، الهندية، والروسية.
د. علي أحمد جديد