تردَّد كثيراً قبل أن يركب الطائرة عائداً في زيارة إلى وطنه الذي غاب عنه أكثر من ثلاثٍ وثلاثين سنة، لعل أكثر ما شجّعه على التفكير بالعودة، هو إمكانية العيش براتبه التقاعدي المحدود الذي يتقاضاه باليورو في ألمانيا بمستوى جيد في هذا البلد، كما كانت تنتابه أحاسيس دفينة أخرى غير واضحة يخجل من التصريح بها.
نزل من الطائرة، لم يشمَّ رائحة التراب والياسمين، كما يتشدَّق الأغبياء على الفيسبوك، حرارة مرتفعة وطقس جاف وفوضى بالمطار لم يألفهما من قبل.
لما ترك هذا البلد كان مملوءاً بالرغبة في تحقيق مستقبل أفضل، إنها مطاردة لحلم تمكن القليل من تحقيقه، والآن بعد أن تقدَّم بالعمر، وبدأت الأمراض تظهر عليه، يعود إلى وطنه.
لم يكن أحدٌ في انتظاره بالمطار، فأكثر أصدقائه قد ماتوا أو نسوه، لم يعد هناك أقرباء مقرّبون له يهتمون لأمره.
أخذ تاكسي وطلب من السائق أن يوصله إلى فندق الشيراتون، وفي أثناء الدردشة سأله السائق:
«هل تفكر بالبقاء هنا؟»
فأجابه: لست أدري.
رفع السائق حاجبيه مستغرباً وهو يسأل نفسه: كيف يمكن لشخص عاقل أن يترك ألمانيا ويعود ليعيش في هذا البلد التعيس؟ لا شك أنه أهبل.
بعد وصوله غادر الفندق، وبدأ يتمشى في شارع أبو رمانة، حيث يختزن جميع ذكرياته الجميلة على هذه الأرصفة، والشيء الوحيد الذي تغير في هذا الشارع أن الأشجار قد كبرت بشكل غير معقول، والشارع أصبح أكثر سوءاً، فالأبنية المتهالكة تحيط به، والسيارات القديمة تملأ كل مكان.
تابع طريقه حتى وصل إلى مدرسة الفرنسيسكان للبنات، وتذكر الساعات التي أمضاها وهو ينتظر خروج لمياء من باب المدرسة.
مثل أكثر الطلاب في تلك الأيام، كان الكلام مع البنت مغامرة بحدِّ ذاتها، وكان محظوظاً لأنه تعرّف إلى لمياء بوساطة ابنة عمته التي كانت صديقتها.
بعد انتهاء الدوام، كان يسير خلف لمياء وهي ماشية مع صديقتها باتجاه شارع أبو رمانة، وعندما تصل إلى الدوار بنهاية الشارع، تودّع صديقتها، وتأخذ الحارة الجانبية، هناك يلحق بها، ويمشي معها لعدة دقائق يعبر لها فيها عن جنونه بها، وعن خططه للزواج منها، والسفر معاً إلى ألمانيا من أجل أن يبدأا حياة جديدة.
كانت تهزُّ رأسها بالموافقة باستمرار، وكل همِّها أن ينتهي الحديث بينهما بسرعة، قبل أن يراهما أحد المعارف أو الأقرباء.
هناك بعض لحظات الجنون في حبِّ المراهقة.
في إحدى المرات، وتحت إلحاحه دخلا إلى كافتيريا صغيرة في هذا الشارع الجانبي، كان عددُ الزبائن في هذا الوقت قليلاً، فاستغلا الوضع، وجلسا في الطابق العلوي وحدهما.
في تلك اللحظات، ولأول مرة في حياته تجرأ وقبَّلها كما يحدث في أفلام السينما، كان طعم ريق القبلة حلواً ممزوجاً بالسعادة والإثارة والارتباك والخوف من أن يشاهدهما الجرسون.
لقد أقسم لها إنه سيتزوجها بعد إنهائه لدراسة الهندسة في ألمانيا، ولن تتمكن أي قوة على الأرض من منعه في ذلك.
بعد سفره للدراسة في ألمانيا، استمر لفترة بمراسلتها، ثم شغلته ظروف الحياة، وبدأ يشعر بأن الروابط التي تجمعه بالماضي تضعف في كل يوم، حتى توقف بالنهاية عن مراسلتها، فالحياة تمضي وهناك دروب وأشخاص وفرص أخرى تنتظره.
ومع ذلك ظل يحتفظ بذلك الزمن الجميل في مخيلته، فجأة بدأ يخطر له أن يعود إلى الماضي بعد أن تقاعد من عمله، ولعلَّ ذلك يعود لشعوره بالوحدة القاتلة والفراغ.
وجّه دعوة للعشاء لابنة عمته وزوجها في فندق الشيراتون، وفي أثناء الحديث سألها عن أخبار صديقتها لمياء، فعرف أنها تعيش الآن وحدها مع أمها في ضاحية قدسيا، وهي تعمل مدرسة للغة الإنكليزية في ثانوية حكومية بعد أن تخرجت في الجامعة.
ومن سوء حظها، فقد تزوجت وطُلقت، ولديها ولدان يعيشان مع والدهما.
وتابعت حديثها بأن البنات الحلوات المتعلمات وذوات التربية الجيدة دائماً حظّهنَّ سيّئ.
ثم غيرت الحديث إلى وضع البلد الاقتصادي والجفاف المدمّر الذي تمرُّ به المنطقة، وبعد انتهاء السهرة تأكد أنه أصبح ضيفاً في بلده الأصلي.
بعد أن يعيش الرجل أكثر من ثلاثين سنة في الغربة، يكون قد تأقلم مع الرفض في كثير من المواقف الاجتماعية، واكتسب قلة اللامبالاة لأقوال الآخرين.
لما صعد إلى غرفته بالفندق، فتح دليل الهاتف فوجد رقم هاتف لمياء، وعلى الرغم من أنه قد تعوّد الاندفاع من دون تفكير من أجل تحقيق رغباته، لكنه تردَّد في أن يتصل بها في هذه الساعة المتأخرة من الليل، وقرّر تأجيل المكالمة الهاتفية إلى اليوم التالي.
لم يغمض له جفن في تلك الليلة، وعاش زواجه الفاشل الذي مرَّ به في مدينة ميونيخ لأكثر من عشر سنوات.
إنه بطبيعته يعشق الحرية، ويكره الارتباط ببنت معينة، لأن ذلك يشعره بالملل، ولا يلتزم دائماً الوعود التي يعطيها للبنات.
لما أشرقت شمس اليوم التالي، كان قد اتخذ قراره.
اتجه نحو المطار مباشرةً، بعد أن تمكن من الحجز على أول رحلة مغادرة.
لقد أدرك أن كلَّ شيءٍ قد تغيّر، ولن يكون كما كان بالماضي.
لم يبقَ أيّ شيءٍ مشترك بينهما، لا شك أن وجه لمياء قد علته التجاعيد، ولم يعد الوجه الناعم نفسه الذي كان يعشقه، فالزمن قد تواطأ على تشويه كل الأشياء الجميلة.
الآن عليه أن يحتفظ بذاكرته بتلك اللحظات السعيدة التي قضاها مع لمياء، وأي محاولة للعودة لكي يعيشها مرةً ثانيةً تفسدها.
فالحياة تمضي، وفي كل يوم مفاجأة جديدة تنتظره في ألمانيا، وامرأة أخرى تشاركه الثقافة والتفكير والهواجس نفسها، وتستطيع أن تتفهم شخصيته المزاجية المضطربة.
سيتكفل القدر بجمعها معه في الوقت المناسب.
الكاتب أمين الساطي