الشكل والمضمون في كتاب أزاهير وقوارير – محمد حافظ قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري

كتاب الثاني “مقالات برسم الوطن”

الكاتب يعتني ويحتفظ بما يكتب، ولا يفرط بكتاباته، حتى لو كانت خواطر، فهي بالنسبة له كالأبن، من هنا جمع الكاتب “محمد حافظ” ستة أجناس من الأدب في “أزاهير وقوارير” حيث جاء العنوان “أزاهير وقوارير” منسجما مع مضمون وشكل الكتاب، فالمواضيع السياسية جاءت كمقالات موجهة ومباشرة وواضحة:

“ولما كان الحكام العرب من الضعف والهوان، بحيث تدفعهم مهانتهم ليس فقط بالتفريط بفلسطين وشعب فلسطين، بل هم باتوا مستعدين لخلع سراويلهم والركوع أمام الصهاينة… ذلك لأنه الطريق الوحيد الذي يحفظ لهم عروشهم” ص107و108

في هذا المقطع يجد القارئ الفكرة واضحة وصريحة، وخالية من الشكل الأدبي، وكأن الكاتب يقول لنا: إن الحديث عن الرسمي العربي يجب أن يكون بشكل (رديء) ليتناسب مع الرداءة التي يتسم بها.

ومع هذا، حاول الكاتب تقديم أفكار جديدة للقارئ، وتذكيره بحقيقة دولة الاحتلال من خلال اقتباسه لما قاله “هيرتسل” في كتابه “الدولة اليهودية”:

“عندما نهط نصبح الطبقة الكادحة الثورية… وعندما نصعد يصعد معنا قوة أموالنا الرهيبة” ص82 و83

هذه الحقيقة مهمة جدا لكل من تابع طريق وأساليب الصهاينة لتثبيت وجودهم في فلسطين، ففي البدايات استخدموا “الكيبوتس” القرى الزراعية الاشتراكية، كي يحصلوا على تأييد الكومنترن وكل من يتبنى الفكر الاشتراكي، وهذا ما جعل السوفييت يعترفون بقيام دولة الاحتلال التي وجدوها تحمل الفكر الاشتراكي، وبعدها اعتراف بها الشيوعيون العرب.

لكن بعدها استخدموا نفوذهم المالي والاقتصادي، وكشفت دولة الاحتلال عن طبيعتها الإمبريالية، كقاعدة متقدمة لدفاع عن المصالح الغربية في المنطقة العربية، فوجدنا الغرب يقدم لها كل غال ونفيس لتثبيت وجودها وتقويته، حتى أصبحت الرب/ السيد المطاع في المنطقة، ولا يعلو عليها أحد، ومن يتجرأ على المساس بها فالموت له، من هنا تم قتل عبد الناصر، صدام حسين، ياسر عرفات، حسن نصر الله الذي ألقه عليه واحد وثمانون طنا من المتفجرات والصواريخ والقذائف الخارقة الحارقة.

ويذكرنا الكاتب بطبيعة اليهودي الربوي من خلال إشارته إلى “شايلوك” إحدى شخصيات مسرحية “تاجر البندقية” وكأنه يقول: إن اليهود عندما يتحكمون في الناس يفتقدون للرحمة، ويكونوا متوحشين أكثر من الوحوش.

الكتاب الأول — بين الشعر والنثر

مقابل المباشرة والوضوح، نجد الكاتب يتألق أدبيا ويتماهى مع قريته “طلوزة” لغويا وبطريقة تقديمه للنص، يقول في “قريتي”:

(1)

هي الهوى وهي الجمال..
في السماء رأسها،
وتحت أقدامها الجبال..

(2)

وتقفز الروح بين هاتيك الربوع
والعين يندى جفنها..
يبتل الرمش منها بالدموع..
هي الروح تسمو فوق هضابها
والقلب يهفو لذكراها وذكرها
فمتى يكون يا وجعي إليها رجوع؟”
ص22و23.

إذا ما توقفنا عند الألفاظ المجردة سنجد الكاتب يستخدم العديد من الألفاظ ذات المدلول العالي/ المرتفع:
“الجبال، السماء، رأسها، تسمو، فوق، هضابها”
وهذا يقودنا إلى فكرة الكاتب عن قريته “طلوزة” فهي مرتفعة جغرافيا، وتشرف من الشرق على الغور، ومن الغرب يقابلها قرية ياصيد، ومن الجنوب وادي البيذان، ومن الشمال وادي الفارعة، حتى يقول إن “طلوزة” كانت إحدى القلاع الرومانية المتقدمة للدفاع عن سبسطية.

إذن الألفاظ بحد ذاتها تعطي القارئ فكرة عن طبيعة “طلوزة” المرتفعة، وأيضا تعطي فكرة عن المكانة التي تحتلها في الكاتب، وهذا انعكس على الألفاظ التي يستخدمها:
“الروح، الربوع، بالدموع”
فنجد حروف الألف واللام، والراء، والواو تجتمع في تشكيل تلك الألفاظ.

ونلاحظ (اضطراب) الكاتب وانفعاله في هذه المقطع فبدا (فقير) اللغة بحيث كانت الألفاظ متقاربة في الشكل والمضمون:
“لذكراها، وذكرها”
أو ألفاظا مكررة “هي، الروح”
أو ألفاظا متماثلة في الشكل “الجمال/ الجبال، الروع/ بالدموع”
أو ألفاظا متماثلة في المعنى: “السماء/ رأسها، الجبال/ الهضاب، تسمو، العين/ جفنها/ يندى، بالدموع”

كل هذا يجعلنا نقول إن الكاتب يتماهى مع كتابته، فهو لا يكتب بقلمه، بل بقلبه الذي يفرغه لنا، فيظهر لنا هذا الحلول بينه وبين الألفاظ التي يكتبها.

الكتاب الثالث — خواطر

يتناول الكاتب العديد من قضايا الأمة العربية، فهاجسه هو وطنه المحتل، فلسطين، والواقع المرير الذي يعيشه كمواطن عربي، من هنا نجده ينتقد العديد من المواقف والجهات والأحداث فعلى سبيل المثل يقول في:

“الشيخ الدونكيشوت”

اللهم دمر اليهود أحفاد القردة والخنازير
اللهم لا تحقق لهم غاية
ولا ترفع لهم في بلاد المسلمين راية
واجعلهم لمن بعدهم عبرة وآية…

تلك هي أسلحتنا الفتاكة
ومقومات جهادنا الطنانة!!”
ص163.

أعتقد أن الكاتب في هذا المقطع يلخص حال رجال الدين والتيارات الدينية الإسلامية من فلسطين الذين لم يعملوا شيئا سوى (الدعاء) لها بالتحرير ـ طبعا هذا في أحسن الأحوال ـ فهناك من يرفض حتى الدعاء لفلسطين، لأنه يجد المقاومة فيها هلاك للأمة، وهو لا يريد هلاك الأمة!!

الكتاب الرابع — علمتني الحياة

في هذا القسم من الكتاب يستخدم الكاتب الومضة لتقديم رؤيته وفكرته، فالاختصار والتكثيف هو الأسلوب الذي اتبع في تقديم الكتاب الرابع:

“نحن الشعوب العربية أكثر من أربعمائة مليون يتيم، ومن يقول بغير ذلك… فليدلني على وليّ الأمر الذي يجمعنا تحت لوائه”

“إذا كانت الشعوب خرافا فلا عجب أن تحكمها الذئاب” ص173.

“فلنبك أوطانا فقدناها فصارت تعيش فينا ولا نعيش فيها” ص175.

“لا يغسل الأحزان مثل الدموع
ولا يهدر الكرامة مثل الفقر والجوع” ص179.

“كيف للمرء أن يقبل التعايش مع مبدأ أو دين أو عقيدة تصادر له عقله ورؤاه وحريته في التفكير والتعبير؟!” ص180.

“لا ينام الجائع ولا الموجوع ولا من تغشت عيناه بالدموع” ص181.

نلاحظ أن الكاتب يقدم خلاصة تجربته في الحياة بأقل الكلمات، وبمقاطع قصيرة جدا، وهذا يتناسب مع طبيعة عصر النت والسرعة، حيث يجد القارئ فكرة واضحة ووافية بأقل الكلمات.

الكتاب الخامس والكتاب السادس

الكتاب الخامس جاء على شكل قصص قصيرة جدا، والكتاب السادس قصص قصيرة.
نلاحظ في هاذين الكتابين أن الكاتب يكتب أطول نص، أطول قصة “عندما يكون القهر بلا حدود” خمس عشرة صفحة التي يتحدث فيها عن المقاومة، وكأنه يؤكد من خلال حجم القصة، إن المقاومة درب طويل ويحتاج إلى جهد ووقت وصبر لتحقيق النصر، والإزالة الاحتلال، فحجم القصة يشير إلى مضمونها.

الكتاب من منشورات دار يافا، عمّان، الأردن، الطبعة الأولى 2023.

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *