لا تنظر طويلاً إلى المرآة، لأن قرينك الشيطان يعيش في داخلها، ما قد يدفعه للخروج منها، لكي يتلبسك، وليتحرر من سجنه.
هذا ما سمعته من جدتي عندما كنت صغيراً، كنت أتصوّر أنها مجرد خزعبلات تُستعمل لإخافة الصغار لكي تسهّل السيطرة عليهم، وبمرور الأيام تناسيت هذه الخرافة. بينما كنت أحلق ذقني في الصباح أمام المرآة قبل ذهابي إلى وظيفتي، لأشعر بأنني ما زلت أنيقاً ومنتمياً إلى هذا المجتمع الاستهلاكي الذي أعيش فيه، لفت انتباهي لأول مرة أن المرآة ملطخة من الأطراف بلون أسود، ومعلّقة على حائط البورسلين الأبيض بشكل مائل، ولا تعكس الضوء بالشكل المفروض، فسطحها يبدو باهتاً كما لو أنك كنت تنظر بعمق إلى بحيرةٍ مياهها تميل إلى اللون الأخضر الفاتح.
انتابني شعور بأن هناك شيئاً قد تغيّر، وربما يعود لأنني حدّقت بالمرآة أكثر من المعتاد، بدأت ألاحظ أن وجهي بدا غير مألوف، ولقد جرى تعديله بشكل خاطئ، وأن خيال وجهي بالمرآة يبحلق فيّ بغضب. تراجعت من شدة المفاجأة خطوة إلى الوراء، لكن الخيال انحنت زوايا شفتيه إلى الأعلى بابتسامة ساخرة، فهو لم يتحرك. رفعت يدي اليسرى فبقي متجمداً في مكانه، وبدأ الخيال يتكلم من دون صوت، مكتفياً بتحريك شفتيه، ففهمت ما يقصده بعقلي وليس بأذني.
قال لي: أنت تعرف أنني دائماً موجود هنا. أجبته من الخوف: كلا. لكنه تابع: لقد دفنتني في داخل هذه المرآة، لكيلا أشاهد كل الأشياء السيئة التي فعلتها، وكل هذه الأكاذيب التي تكررها كل يوم على مسامع زوجتك وأولادك… لقد شاهدت براكين الغضب في داخلك، وانتظرت هذه اللحظة المناسبة التي أصبحت فيها فارغاً، متظاهراً بأنك قد نسيت من تكون…
ثم ابتسم بخبث، وأخذ زجاج المرآة يتموّج كما لو كان صفيحة ماء تداعبها نسمات الرياح. من شدة رعبي تبولت على ثيابي الداخلية، وأمسكت بموس الحلاقة، ورجعت خطوة إلى الوراء لكي أدافع عن نفسي.
ظهر الخيال من جديد، بعينين سوداوين وشفتين منحنيتين إلى الأعلى تجسدان أعمق أشكال الكراهية. لقد تعرّفت على نفسي في هذه اللحظة، ومن شدة شعوري بالقرف وضعت يدي على سطح المرآة ودفعتها إلى الداخل لأحطمها، لكن المرآة لم تقاوم، وغاصت يدي في داخلها، وبدأت تشدني إلى جوفها. حاولت أن أتمسك بحافة المغسلة، لكن القوة التي كانت تجذبني أقوى مني، فمددت يدي الثانية وتمسكت بخلاط المغسلة، ومن شدة سحبي له خرج من مكانه، فاختلّ توازني ووقعت على الأرض، وكان آخر ما شاهدته أن سقف الحمام انقلب من الأعلى إلى الأسفل، وقد انسحبت إلى داخله.
نجم عن سقوطي صوت عالٍ سمعته زوجتي في غرفة النوم، فهرعت إلى الحمام. وبمجرد دخولها اختفى الخيال من على المرآة، وعادت الأمور إلى طبيعتها. شاهدت رجلاً في المرآة يشبهني، ينظر مثلي، يبتسم مثلي، لكن إذا ركزت طويلاً فستلاحظ أننا شخصان منفصلان لا يشبه أحدنا الآخر.
استيقظت وأنا على سرير المستشفى، وكان آخر ما أتذكره أنني كنت أحلق ذقني وأنظر إلى المرآة، وبعدها… لا شيء. جاءت الطبيبة وأخبرتني بأنني كنت في غيبوبة لمدة يومين نتيجة وقوعي على رأسي، وأنني محظوظ لعدم وجود كسور أو أضرار دائمة.
دخلت زوجتي الغرفة وهي تبكي وترتجف قائلة:
“الحمد لله على سلامتك… أنت دائماً تعود إليّ… إنك تنسى لفترة من أنت… ولكنك في النهاية تعود إليّ…”
فاستولت عليّ خيالات ضبابية مألوفة، لا أتذكرها بشكل واضح، عن خيالي في المرآة. وفي اليوم التالي تماسكت نفسي وسألت زوجتي:
كم مرة حدثت معي هذه الحالة؟
أجابت والدموع تملأ عينيها:
خمس مرات.
الكاتب أمين الساطي