عندما تصبح العزلة قَدَرًا : قراءة في مأساة آل بوينديا للكاتبة ماجدة بوكلوة

لأن السلالات المحكومة بمئة عام من العزلة، ليس لها فرصة أخرى على الأرض“…
بهذه الجملة التي تختزل المصير، يختتم غابرييل غارسيا ماركيز روايته الخالدة مئة عام من العزلة، مُعلناً عن قدر لا فكاك منه، لا لأبطال الرواية فحسب، بل لإنسان العصر الحديث الذي يجد نفسه وجهًا لوجه أمام سؤال المصير، التاريخ، والذاكرة…

بخيالٍ نوراني تسربل في جهنميات واقعه، يسرد هذا الروائي في 463 صفحة، حيثيات نشوء قرية ماكوندو التي لا أثر لها إلا في مئة عام من العزلة، مئة عام من النشوء الجامح لعادات سلالة آل بوينديا التي لم يروضها الموت، بل لم يقدر تدفّق السنين على مجاراة تماديها، ولا على كبح حضارتها الطفولية أمام هرم الذاكرة وتوالي الأجيال على تداول الأنفاس الموروثة عن الأب المؤسس لها.

لم أقتنع، بعد قراءتي لها، أن ماركيز قد حصد نوبل فقط لأنه قبض على تفاصيل الرواية، ووزّع أحداثها عبر الأجيال بالشغف ذاته الذي حمله على الكتابة؛ لولا يقيني أن الرواية تُناقش قضايا أبعد بكثير من أن تكون باكورة الواقعية العجائبية كما صُنّفت يومًا…
ولِمَ لا تكون ماكوندو التي تكوّنت في رحم العزلة، وشبّت في ريعان الصراع لأجل البقاء، لتشيخ في النهاية على رُفات مشاريعها التي سفهها الاستعمار—مثالًا لكل مدينةٍ كبرت بأحلام شعوبها ثم ضاعت في أول احتكاكٍ مع الآخر… لتختفي كأن لم تكن.

كل شيء في ماكوندو كان قابلًا للاندثار ثم للبعث، كأن الزمن فيها لا يسير بخط مستقيم بل يدور في دوائر مغلقة، تتكرر فيها الأسماء، الوجوه، وحتى الذنوب… ويتكوم فيها الحنين كغبارٍ لا يُجلى.
ماكوندو، بما حملت من سلالةٍ موسومة بالوحدة، كانت صورة مكثفة للإنسان حين يعجز عن فكّ شيفرة مصيره، وحين يجد نفسه مكبَّلاً بلعنة التاريخ والدم—not بفعل إرادة تفوقه—بل لأن العزلة حين تتجذّر تصبح قدرًا أكثر منها اختيارًا.

في كل جيل من أجيال آل بوينديا، كانت الحياة تُعاد بالألوان الباهتة ذاتها؛ وكأن الرواية لا تريد تقديم تطور، بل إعادة اختبار الفشل الإنساني في صور متعددة:
من الحب المحرّم، إلى الحرب التي لا تنتهي، إلى الجشع المعولم… وصولًا إلى النبوءة الأخيرة التي تختم الرواية كما لو أنها تعيد الكون إلى نقطة بدايته.
تلك النهاية التي كانت مكتوبة منذ اللحظة الأولى… كما لو أن اللعنة لا تتيح للفرد ولا للجماعة فرصة النجاة إلا عبر الفهم العميق للعزلة نفسها، لا عبر الفرار منها.

إن ماركيز أقام طقسًا سرديًا أسطوريًا يحتفي بالغرابة، يتماهى فيه الواقع مع الخرافة، ويتحوّل فيه الجنون إلى حكمة مموّهة.
فـ مئة عام من العزلة لم تكن مجرد تقويم زمني، بل كانت تجربة وجودية لكينونة تبحث عن معنى، تصطدم بالعدم، وتتهاوى عند أول امتحان للذاكرة.

الاستعمار في الرواية كان اختبارًا وجوديًا لمناعة المدينة، لحجم أوهامها، ولمدى قابليتها للذوبان في الآخر…
ذلك الآخر الذي لم يأتِ ليستعمر الأرض فقط، بل ليستعمر الحلم أيضًا؛ ليستلب الطفولة ويغلفها ببهارج كاذبة.
فانهارت المدينة لا لأنها ضعيفة، بل لأنها كانت مثقلة بأحلام لم تُختبر، بهويات لم تُنقّح، وبصوت داخلي لم يكن قادرًا على التمييز بين الخلاص والانقياد.

ماكوندو التي بزغت من فراغ مطلق لم تكن قريةً منعزلة فحسب، بل كانت استعارةً لعالمٍ أكبر… عالم فقد صلته بجذوره، وظن أن العزلة تقيه شرّ التلوث، فإذا بها تبتلعه.

الرواية، في جوهرها، تُصدر تحذيرًا:
إن المجتمعات التي لا تتصالح مع ذاكرتها—مهما بدا ماضيها ساحرًا—تبقى مرشحة لأن تُمحى من سجل التاريخ.

فالمعاناة اليومية التي عاشتها ماكوندو، والتي دوّنها ماركيز بلغة خارجة عن القوالب، لم تكن إلا انعكاسًا لعالمٍ بأسره—عالمنا نحن—حين نحيا على حافة الفقد، ولا نجد من نلوذ به سوى سردٍ طويل لا نملك فيه من البطولة إلا وهم التكرار.

الكاتبة ماجدة بوكلوة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *