عقارب الساعة تقارب منتصف النهار، الموعد الذي كان من المنتظر أن أقابله فيه بالمصحة.
فور إتمامه ما طلب إليه من الفحوصات الدورية بإيعاز من طبيبه الخاص، سيكون لزامًا عليّ، بصفتي مدير أعماله، أن أذهب إليه لأبلغه، كعادتي، بكل جديد يخص مواعيده والتزاماته الفنية…
ألقي نظرة على الفيسبوك، فيصفعني الخبر:
“وفاة الفنان الشعبي بلبل إثر سكتة قلبية!“
ماذا؟! متى وكيف؟!
لا حول ولا قوة إلا بالله!
منذ قليل، كنت أعد العدة للخروج بالسيارة، حين هاتفني، ليذكرني بالموعد ويستحثني على أن لا أتأخر!
أحاول التثبت… الناشر غير مسمى، والصفحة تصادفني لأول مرة!
أي خطب هذا؟! حقًا لم أعد أفهم ما الذي يحصل؟
في جسمي سرت قشعريرة، تبعتها نبضات قلبي المتسارعة.
مددت يدي لأدير محرك السيارة، لكني تراجعت وعدلت عن ذلك، ولم ألبث أن أطرقت رأسي، ملصقًا جبهتي أعلى المقود، في محاولة لاستعادة تماسكي، دون جدوى…
ثقيلة هي تلك الدقائق، التي لم يأت مرورها بما يؤكد تداول ذلك النبأ المفزع مجددًا… حاصرتني التساؤلات الحارقة، وسادني الارتباك لأكثر من نصف ساعة، بلغت حيرتي أقصى ذروتها.
ثم لا أدري، إثر ذلك، ما الذي دفعني لاتخاذ قراري بالتحرك في اتجاه المصحة، يطاردني شبح ذلك المنشور الذي زعزع كياني، وألقى بي متأرجحًا بين الشك والتيه، وفقدان الأمان…
تلاحقني صور بلبل من ماضٍ قريب وتأبى أن تفارقني…
منذ شهر، على مسرح أقوى المهرجانات بالبلاد، في آخر حفل أحياه، حين بدا منشرح الصدر، تعلوه ابتسامة مشرقة. وتحت الأضواء المتلألئة، يلتمع في عينيه بريق السعادة، بينما يزداد سيل الجماهير تدفقًا، ليغمر كل الفراغات في ذلك الفضاء رغم اتساعه…
كم من مرة صارحني بحقيقة ما لحقه من عناء، ليصل إلى ما وصل إليه… لم يكن من السهل عليه ولوج ميدان الغناء، والسير في ثناياه المتشعبة، تتقاذفه الظروف كراكب أمواج البحر، الهادئة حينا، والمضطربة أحيانًا. وبمرور الأيام، ألفى نفسه مرتحلًا عبر الأزقة والدروب، ومتجرعًا طعم الحياة حلواً ومرًّا، ولم يكن له من سبيل سوى الإصرار على المواصلة في ذات الطريق…
طال به المسير، وكاد أن يسقط، لولا أنه تعلم كيف يصمد، وينهض بعد التعثر من جديد…
كانت ليلة ولا كل الليالي… غنى فيها، وتسلطن، فيما انتشى الجمهور وطرب وظل هاتفا ومردداً:
“بلبل… بلبل… بلبل…”
حين وصلت، كان كل شيء هادئًا في محيط المصحة؛ لا وجود لأي حركة غير عادية، وليس ثمة ما يثير الانتباه…
ركنت السيارة، وأسرعت بالدخول، ووجدتني أركض في رواق واسع طويل، ومنه توجهت مباشرة إلى مكتب الاستقبال، وقلبي يضطرب…
سألت عن “بلبل”، فأجابت الموظفة:
“الطابق الثالث، إنه ما زال يجري بعض الفحوصات، سيدي…”
وقفت أمام المصعد الكهربائي، وهممت بالدخول، عندما رن هاتفي… المكالمة من رقم غير مألوف.
ترددت، ثم أجبت.. من الطرف الآخر، وصلني صوت خافت ومستعجل:
“هل أنت مدير أعمال بلبل؟”
أجبت بتوتر: “نعم، من معي؟”
سمعت بما يشبه الخشخشة، أحسست بأنها حركة تحويل للمكالمة، ثم جاءني صوت آخر، ضعيف ومتقطع:
“بلبل… موجود… إنه… بخير، الطبيب…”
ثم انقطع الاتصال فجأة!
تجمد الدم في عروقي. ماذا أراد أن يقول؟ ماذا حدث له؟
مرتبكًا، أمسك بهاتفي، وعيناي مصوبتان نحو المصعد، وقلبي يدق قوة لم أعهدها…
هل أصعد لأبحث عنه؟ أم أنتظر مكالمة أخرى؟
في تلك اللحظة، يباغتني ظهور بلبل بابتسامته العريضة، وملامحه المرهقة.
ينظر إلى وجهي المنزعج باستغراب:
“ماذا أصابك يا صديقي؟ هل أنت بخير؟”
لم أتمالك نفسي عن البكاء، وكنت على وشك أن أصرخ، قبل أن يقاطعني ضاحكًا:
“إن كنت ستخبرني عن إشاعة موتي… اِنسَ الأمر، وقل لي ما وراءك الآن!”
الكاتب الهادي نصيرة