يكثر من دروس الوعظ اليومي حتى مللته.
سحبتُ طاولتي بعيدًا عن طاولته، وانشغلتُ بمتابعة المقاطع في مواقع التواصل الاجتماعي على المحمول.
لم يرق له ما فعلت، فراح يسرد بصوتٍ عالٍ مساوئ تلك البرامج.
تجاهلته، وأشعلتُ سيجارة أُحرق بها أنفاسي… وأنفاسه.
ازداد غيظه، وانبرى يتحدّث عن أحكام شرب الدخان، ويلعن مخططات “تغريب الشعوب العربية”.
مددتُ ساقي فوق الطاولة، وتثاءبتُ طويلًا.
ثم أخرجتُ السماعة من جيبي، شبكتها في المحمول، وغرزت طرفها في أذني.
نظرتُ إليه، فرأيت وجهه الأحمر يغلي.
هززتُ كتفي لا مباليًا، وأعطيته ظهري.
اخترتُ أغنية لـلطفي بوشناق، ثم نظرت من النافذة، أتابع حركة السيارات.
كنتُ أرى انعكاس صورته على الزجاج، وشفتيه تتحركان بلا توقّف.
أنا أحفظ ما يقول… صوته لا يهم.
خرج غاضبًا بعد أن جمع أغراضه.
وظللتُ وحدي، أنهي مهامًا عطلها وجوده.
حتى اقتحمت المكتب، وهي تلهث، حاملة صبيًا على كتفها، ووشاحٍ أسود يلمّ شعرها النافر.
سألتني غاضبة:
– أين هو؟
أجبتُ، وأنا أضع السماعة جانبًا:
– خرج منذ ساعة.
– إلى أين؟
– لا أدري…
أخرجت من حقيبتها ورقةً مدموغة، ورمتها أمامي:
– أعطه هذه الورقة عندما يأتي… الجبان لم يدفع نفقة الصغير كعادته.
لم تصبر لتسمع ردي، بل غادرت الغرفة لاهثة كما أتت.
أزحتُ الورقة جانبًا، وأعدتُ السماعة إلى أذني وأنا أراقب من وراء الزجاج…
تبدو السيارات من مسافة بعيدة، فارهة ومصقولة،
لكنني لا أميّز عيوب هياكلها… إلا حين أقترب.
د. ندى مأمون إبراهيم