بدأ موعد إجازتي. نزلت من وحدتي العسكرية ووصلت إلى موقف السيارات في الموصل. ركبت في المنشأة وحجزت مقعدًا خلف السائق مباشرة. صعد بائع وهو ينادي بصوت متعب: (حب، سكائر، علك). اشتريت منه وأدخلت السرور إلى قلبه.
جلس بجواري رجل يبدو عليه الوقار، وكان يتحدث بطريقة رائعة. تجاذبنا أطراف الحديث لقتل الملل، فالطريق طويل ولا ينقضي إلا بالدردشة. ساعة بعد ساعة، ولم نشعر إلا ونحن على مشارف المدينة. أخذت روحي ترفرف بين جنبيّ، تستنشق السعادة والطمأنينة.
أخيرًا وصلتُ مدينتي، وودّعتُ العم الطيب. آه… طابت نفسي وأنا أستنشق هواء منطقتي. انتعشت كثيرًا ونسيت التعب. كنت أمشي بين أحياء منطقتي، والبيوت أغلبها من الطين، والوقت في تمام الثانية والنصف ظهرًا، وتموزُ بطمأنينته وهدوئه. صوت الحمام يخرج من بين الأشجار ويأخذني إلى عالم آخر… والأبواب مفتوحة؛ إنه الأمان يا سادة.
الحارس الوحيد الذي صادفته كان كلب منطقتنا. عرفني منذ النظرة الأولى، فلم ينبح. بقي يسير معي وهو يلهث.
طرقت نافذة دكان أم جبار. أدخلت رأسي من النافذة وأنا أشم رائحة الحلويات. اشتريت علبة سجائر وكبريت. دفعت باب البيت، وإذا بحجر كبير وراءه، كاد الباب يسقط… قديم، ورثناه من جدي رحمه الله.
دخلت، فوجدت الجميع نائمين في غرفة والدي الطينية الواسعة، يغطّون في سباتهم على أنغام مبردة الهلال ذات السرعة الواحدة.
اغتسلتُ وصليت، ثم ذهبت إلى غرفتي الصغيرة. أطعمْتُ البلابل، غيّرت الماء، ثم استلقيت على ظهري. وفي لحظة تقلب بسيطة… فقدت نفسي. فجأة أحسست وكأنني انفصلت عن ذاتي. حاولت أن أتمسّك ببقايا وجودي، بلا جدوى.
فتّشت عن الهاتف الأرضي لأتصل بالشرطة، فلم أجده. وجدت فوق الدرج الطيني راديو والدي القديم. حاولت تشغيله… بلا بطاريات.
خرجت أبحث عن نفسي، ربما أجد أثرًا. وقفت في وسط الحي… وقد تغيّر بالكامل!
البيوت تتنافس بالبناء، طوابق ومرمر وألوان.
أين ذهبت بيوتنا الطينية؟ أين تنور الطين أمام بيتنا؟
مجرى الماء الآسن اختفى.
سيارة العم جبار فولكس فاگن لم تعد موجودة.
السيارات حديثة… أرقام جديدة… أشكال لم أرها من قبل.
دخلت السوق. صادفت مجموعة عسكر لا يتكلمون العربية، والأطفال حولهم. صحون طائرة تُباع، أجهزة غريبة لم أشاهدها سابقًا.
نسيت عمّن أبحث. صدمت بما رأيت. شباب اليوم ليسوا كشباب الأمس. تغيرت أشكالهم، تصرفاتهم، حتى هندامهم. مسحت وجهي… كأنني أشاهد فيلمًا سينمائيًا.
العربات الخشبية اختفت. رأيت سيارة صغيرة جدًا.
– ما هذه يا ولد؟
– تكتك يا عم.
سألت عن لافتة لم أفهمها:
– هذا كوفي الرواد يا عم.
– يا ولد، هذا مقهى الحاج فارس! كنت أشرب فيه الشاي مع كبار السن والمثقفين والكتّاب.
ضحك الشاب:
– يا عم، هذا زمن ولى… الآن شباب وشيشة وألعاب إلكترونية.
ذهبت إلى المكتبة أريد جريدة بابل أو مجلة ألف باء.
ضحك صاحب المكتبة:
– يا أخي، ماتت هذه الأشياء منذ سنوات. اقرأ كل شيء على النت… الشبكة العنكبوتية.
لم أفهم شيئًا!
رجعت أبحث عن طريقي القديم بمحاذاة سكة القطار… فلم أجدها. بدلاً منها بنايات شاهقة وثلاثة شوارع واسعة.
جلست على جانب الطريق أنتظر وجهًا أعرفه… الوجوه غريبة، لا أحد يلقي السلام. عطشت. اشتريت ماء. أعطيت البائع النقود… فضحك:
– يا عم، هذه النقود انتهت وتبدلت.
تعقدت الحالة أكثر. لم أفهم ماذا يجري.
أخيرًا… استسلمت. قررت ألّا أبحث عن نفسي. لا أريد لها أن تعيش هذا الواقع الجديد المتعب. الفطرة غادرته، والشيطنة سكنت تفاصيله. طغت المادة. كثرت الجريمة والخيانة والغش. تفككت الأسرة. أصبحت القوانين تسحب سلطة الأب، والشباب… يريد الغرب أن يسلبهم الإرادة والأخلاق، يغرقهم بالرذيلة والمخدرات والألعاب واللهو.
كل هذا الحديث دار مع نفسي التائهة.
اعتذرت منها… ثم عدت:
إلى الأصالة،
إلى الحياة الهادئة البسيطة،
إلى بيت من الطين،
وتلفاز قديم،
وشبكة على خشبة توت من بستان جدي،
وأفطر على بيض طازج تجمعه جدتي،
وأشرب من ماء الحبّ النقي،
وأقف عند الغروب مودّعًا شمس ذلك اليوم الجميل.
الكاتب أركان القيسي