قصة قصيرة القطة التايلاندية الكاتب أمين الساطي

كانت تعيش أم محمود مع زوجها المتقاعد فوقي مباشرة في الطابق السابع. توفي العام الماضي بحادث أليم؛ فقد استيقظ سكان البناية حوالي الساعة الثانية عشرة ليلًا على صوتٍ قوي، تبيّن لاحقًا أنه ناتج عن ارتطام جسد أبو محمود بأرضية مدخل البناء. أجرت مديرية الأدلة الجنائية تحقيقاتها الميدانية، وانتهت إلى أنه أقدم على الانتحار لأسباب مجهولة، وأُغلق محضر القضية لعدم كفاية الأدلة.

لكن رغم ذلك، فقد كانت جاراتنا الثرثارات – اللواتي يكرهن أم محمود بدافع الغيرة والحسد – يروّجن لإشاعةٍ مفادها أنها دفعت زوجها من البلكونة للتخلّص منه، والتمتع براتبه التقاعدي، والعيش كما تشاء. ولربما ألهمت تلك الإشاعة بعض الزوجات بأفكار جديدة للتخلص من أزواجهن المتقاعدين.

كانت زوجتي معجبة بـ القطة التايلاندية الجميلة في بيت أم محمود؛ قطة بفروٍ قصيرٍ ناعم، يميل في الوجه والأرجل إلى لون الشوكولاتة الداكنة، بينما جسمها رشيق بلون بيج فاتح، ولها عينان صفراوان مائلتان إلى الخَضار ووجهٌ على شكل إسفين. استوقفت هذه القطة زوجتي، فأخبرتني أن القطط تُبطل السحر وتُبعد الأرواح، ولعل ذلك ما يدفع أم محمود لتدليل قطتها والحرص على رضاها.

وبحكم صداقة زوجتي لجارتنا، فهي تزورها باستمرار. إلا أن شكل القطة النادرة وتصرفاتها الغريبة في الفترة الأخيرة بدأ يثير دهشتها وخوفها؛ فقد كانت تستيقظ أحيانًا منتصف الليل على صوت موائها المرتعش، مقتنعةً بوجود علاقة بين مواء القطط والموت. القطة لا تنام ليلًا ولا نهارًا، وتكتفي بمراقبة مدخل البناء من نافذتها، كأنها تنتظر وصول شيءٍ ما.

وعندما تزور زوجتي بيت الجارة، تجلس القطة متجمّدة مبحلقة فيها، وكأنها تعرف عنها ما لا تعرفه هي عن نفسها. وأحيانًا تظهر سلوكيات غريبة؛ تحدّق في الفراغ، ثم تقفز راكضة نحو زاوية معينة في البيت، كأنها تطارد شبحًا، ثم تعود لتجلس في مكانها بهدوء… كمن أنهى مهمة. وهكذا بدأت زوجتي تتوجس منها. وما زاد مخاوفها أن أم محمود عرضت عليها أن تهديها القطة — رغم أن ثمن هذا النوع من القطط لا يقل عن مئتي دولار. فخفّفت من زياراتها بعد ذلك.

مرةً أخبرتني زوجتي أنها شاهدت القطة تفتح باب المنزل بالقفز والتعلّق بمقبضه حتى انخفض وانفتح، فتيقّنت أن في القطة جنّيًا ساكنًا. وفي زيارة أخرى، سلطت ضوء هاتفها فجأة على عينيها، فانعكس منهما ضوءٌ أحمر قاتم، فأكدت لنفسها أن أحد عفاريت الغيلان يسكن في داخلها. لم أناقشها، لأنها تؤمن بالروحانيات الباطنية، مقتنعةً بأن الجنّ تتصور بصور القطط والكلاب.

وفي إحدى الليالي، سُمع صوت صرخات مرعبة من شقة أم محمود. انقطعت الكهرباء، وساد ظلام دامس. استيقظنا على أصواتٍ تشبه العويل. وتحت إلحاح زوجتي، فتحت باب شقتي وصعدت مستعينًا بضوء الهاتف نحو شقة الجارة. هناك… هالني ما رأيت: قطيع من القطط السوداء يندفع نازلًا من الطابق السابع بسرعة جنونية، وكأنني لمحت القطة التايلاندية بينها. أغلقت الباب من شدّة الرعب، وعدت للاتصال بالشرطة.

وصلت الشرطة. كان باب الشقة مفتوحًا. وُجدت أم محمود ممدّدة على أرضية المطبخ، تغطي رقبتها وجسدها شقوقٌ صغيرة مفتوحة، وعيناها منتفختان، ونظرة رعب قاسية على وجهها. تحتها بقعة كبيرة من الدماء. لقد التهمت القطط الأنسجة اللينة لجسدها؛ صيوان أذنها الخارجية، جزءًا من كتفها وذراعها.

لم يكن هناك أي دليل على اقتحام المنزل، ولا على استخدام سلاح حاد، ولا بصمات بشرية… فقط خيوط دماء تسيل من السرير نحو المطبخ. لم يتوصل التحقيق إلى شيء، وأُغلق المحضر لعدم كفاية الأدلة.

أما أنا، فلم تكن لدي الجرأة على إخبارهم بما رأيت من قطيع القطط؛ فقد بدأت أشك في نفسي. ربما كان ما رأيته وهمًا، وربما تأثرتُ بمعتقدات زوجتي. ثم إنني منذ سبع سنوات مررت بانهيار عصبي ودخلتُ مستشفى الأمراض النفسية. لذلك يجب أن أكون حذرًا… حتى لا أصبح حديثَ ومسخرةَ أهل الحي.

الكاتب أمين الساطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *