قراءة سريعة للأديب محمد البنا لرواية بيت الجاز للأديبة الإعلامية نورا ناجي

ستقرأ الرواية وتمضي، وربما تلحقها بقراءة رواية أخرى أو مجموعة قصصية أو ديوان شعر، لكنك لن تنساها؛ ستتذكر رضوى وأنت تتصفح جريدة أو تقرأ كتابا، وستتذكر يمنى كلما ألم بك عارض سوء أو مررت بجوار مشفى، وستتذكر مرمر وأنت جالسٌ في مقهى تحتسي فنجان قهوة أو تلعب النرد مع صديق لك؛ إن تسولت طفلة، أو قدمت لك عقد فل أو علبة مناديل، وستتذكر مرمر كلما مررت بسيارتك عبر منطقة عشوائية… ستتذكرهن ولن تنسى .. أبدًا لن تنسى، ولن تنسى أن مبدعة هذه التحفة الأدبية .. طنطاوية أيضًا.

رواية اختارت المؤلفة أن يكون ساردها راوٍ عليم، فكان لها ما أرادت وزاد عليه روحانيةً روح ضمير المخاطب، إذ تشعر وأنت تقرأ أن السارد يخاطبك أنت وحدك، فيجذبك طوعًا أو قسرًا إلى أحداث روايته، فتدفع الباب وتدخل لتشارك، ولا تكتفي بمقعدك كمشاهد أو شاهد عيان، ستجد نفسك طرفًا ممتدًا إلى نقطة النهاية، تتجول في الحارات والأزقة وتشم رائحة الجاز، وتتسلل خلف أبواب الغرف والمكاتب وعنابر المرضى، وعيادة الليزر، وبيت الجاز وبيت النمل وبيت يمنى، وستعبر النفق وتصل المحطة وتركب القطار، وفي النهاية ستقتنع أن المسافة بينك وبين الموت لا تتعدى عرض شارع، ألم تشاهد بأم عينك أن كل الأماكن تطل على المقابر؟!.. هنا حياة وهناك موت.

أنساق ثلاثة متصلة منفصلة تمثل الشخصيات الرئيسة في الرواية:

النسق الأول: وتمثله الكاتبة رضوى
النسق الثاني: وتمثله الطبيبة يمنى
النسق الثالث: وتمثله المغدورة مرمر

ثلاث شخصيات نسوية حرصت المؤلفة أن تتقارب شخصيتان في ملامحهما النفسية وهما رضوى ويمنى، وتنأى عنهما الشخصية الثالثة مرمر، فهى البراءة حين تغتال البراءة، وهي الطهر حين يدنس الطهر، وهي الحلم حين تقتله الحقيقة، وهي الأمل حين يقهره البأس فينتحر كخلاص أبدي.

أنساق اجتماعية

إذ جمعت المؤلفة بين ثلاث طبقات مجتمعية:
الفقيرة / بيت الجاز
المتوسطة / أسرة يمنى
الميسورة / أسرة رضوى
وذلك في مكان متقارب؛ كل بيوتهم تطل على المقابر من زاويةٍ ما.

أنساق العلاقات الجنسية

زنا المحارم: وتمثله البيئة العشوائية والسكن الجماعي المتلاصق المنبعث من فقر مدقع.
زنا الرغبة والتجريب: وتمثله الطبيبة يمنى.
الزنا الطوعي (السفاح): وتمثله الكاتبة رضوى في حادثتين منفصلتين (ابنة زنا، وحمل سفاح من كاتب صديق).

وككل حالات الزنا التي يتبعها حمل، فيتبعه محاولات إجهاض تتعدد أسبابها، وقد ذكرتها المؤلفة تفصيلا.

الثيمة الثابتة لمجريات الرواية في أنساقها الثلاثة (الكاتبة/ الرواية/ الحقيقة) اعتمدت المؤلفة على التبئير النفسي للشخصيات الثلاث.

المكان في الرواية

أجادت المؤلفة توظيف المكان توظيفًا ديناميكيًا دون الاتكاء على الجمل الوصفية المباشرة، بل جاء المكان كعابر سبيل لكنه عظيم الأثر وبالغ الدلالة.
فنجد أن كل الطرق تؤدي إلى المقابر أو تمر من خلالها، بل حولت عتبات البيوت وأسفل المستشفيات إلى مقابر!

اعتمدت المؤلفة الميتا سردية كتقنية أساس لنسيج روايتها، وضفرتها باستدعاء الذكريات — وهو فرع من فروع تيار الوعي السردي ومنهجيته الحداثية.

اللغة السردية

رافعة أساس لجودة النص لما فيها من بساطة وسلاسة وتدفق معنوي وبراعة في توظيف الأزمنة (ماضٍ/ حاضر/ مستقبل)، إلا هنّات بسيطة تمثلت في ضعف توظيف بعض حروف الجر (من، في).

الفلسفة السردية

الموت هو مجرد اختفاء شخص كان هنا، ثم لم يعد كذلك. (ص ١٣٩)
تمر لحظات تنتهي فيها حياتك، لتبدأ من جديد.

ملاحظات عامة

• إدانة للأنثى لارتكابها الزنا وضعف المبررات.
• الأنثى — رغم ضعفها الظاهري وسيطرة الذكر المهيمن — هي القائد المحرك الفاعل (العمة نجاة مثالاً).
• تماهٍ واضح — من زاوية رؤية الكاتب — مع مغزى روايته “نور”، إذ إننا جميعًا نور:
كلنا نعيش حياة أغلبنا لم يخترها، بل سوقنا إليها، وقد نتوقف لحظة لننتبه أننا لسنا ما نظهر عليه، بل هناك آخر داخلنا ينتظر لحظة مخاض — وقد لا يجدها أبدًا.

الأديب محمد البنا 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *