في واحة سيلفانا النائية، حيث تلامس أشعة الشمس حواف الصحراء الذهبية، عاش الأخوان حورس وأمون. كان حورس، الأكبر سناً، يصنع من خشب النخيل المتين أثاثاً يحكي قصصاً، بينما كان أمون، الأصغر طموحاً، يحول الجلود الخشنة إلى أحذية تتحدى وعورة الرمال. كانت حياتهما بسيطة، تطبعها روائح النجارة والدباغة، وهمسات الطموح التي لم تجد مساحة في قلب الواحة الضيقة.
ذات مساء، قال أمون لأخيه وهو يحدق إلى الأفق حيث تختفي الشمس:
“أخي حورس، موهبتنا أكبر من هذه الواحة. سأذهب إلى أورانوبوليس، عاصمة الإمبراطورية، حيث الأسواق الكبيرة والحظوظ الأوسع”.
حزن حورس، لكنه فهم شوق أخيه. قال له:
“اذهب، وليحمك الآلهة. سأظل هنا، أحرس بيتنا وأعمالنا. عد إلينا حين تنجح”.
وعد أمون بالعودة، وحمل معه أدواته وأحلامه.
في أورانوبوليس، مدينة الرخام والذهب، بدأ أمون من الصفر. افتتح دكاناً صغيراً للإصلاح، لكن مهارته في صناعة الأحذية الفاخرة سرعان ما ذاعت سمعتها. وكانت المفارقة التي حكتها الأقدار أن إحدى قطعه — زوجًا من الأحذية المطرزة ببراعة — وصلت كهدية إلى الإمبراطور العجوز. أعجب الإمبراطور بالإتقان، وأراد مقابلة الصانع نفسه.
في القصر الإمبراطوري، وجد أمون نفسه أمام عجوز حكيم أعجب بفطنة الأميري الشاب وذكائه أكثر من إعجابه بحذائه. أصبح أمون مقرباً من الإمبراطور الذي لم يكن له وريث. توالت الأحداث بغرابة، فبعد وفاة الإمبراطور المفاجئة، ووسط صراعات النبلاء، رأى مجلس الشيوخ في أمون — الغريب المتواضع الحكيم — حلاً لتجنب الحرب الأهلية. وهكذا، بتأييد شعبي غريب، نُصّب الإمبراطور أمون، صانع الجلود من واحة سيلفانا، إمبراطوراً على أورانوبوليس.
حكم أمون بحكمة الصانعين الذين يعرفون قيمة الجهد والعمل. لم ينس قط أخاه حورس الذي تركه في الواحة. بعد سنوات من الاستقرار، أرسل وفداً إمبراطورياً إلى واحة سيلفانا برسالة مختومة بختم الإمبراطور.
عندما وصل الوفد إلى حورس، ظن النجار البسيط أن الأمر يتعلق بطلب أثاث للقصر. دهش عندما اكتشف أن الإمبراطور الجديد الذي يتحدث عنه الجميع هو أخاه الصغير أمون! سافر حورس إلى العاصمة وهو لا يصدق ما يراه.
استقبله أمون في حدائق القصر الخاصة، ليس ببروتوكول الإمبراطور، بل بحضن الأخ المحب.
قال حورس وهو يبتسم: “لماذا لم تخبرني أنك أصبحت إمبراطوراً؟”
أجاب أمون: “لأنني ما زلت أخاك أولاً، ولأن المنصب زائل، ولكن الرابطة بيننا باقية”.
رفض حورس أن يعطيه أخوه منصباً سياسياً لا يجيده. ففكر أمون بحكمة. نظر إلى أخيه الهادئ المتدين، الذي عُرف في الواحة بحكمته واستقامته، وقال له:
“أنت لا تحتاج إلى أن تكون نبيلاً، بل تحتاجك النفوس لتقودها إلى الخير. في أورانوبوليس، منصب الكاهن الأعظم (البطريرك) شاغر. الشعب يحتاج إلى قائد روحي أمين مثلك”.
لم يكن هذا تكريماً مادياً فحسب، بل كان إعلاءً لمكانة أخيه الحقيقية. قبل حورس المهمة، ليس طمعاً في السلطة، بل خدمة للشعب.
وهكذا، في ذروة مجده، جلس الإمبراطور أمون على العرش المزيّن بالذهب، بينما وقف أخوه الكاهن الأعظم حورس بجانبه، يبارك الشعب بتواضع، تذكيراً للجميع بأن العظمة الحقيقية تبدأ بإتقان العمل وصدق القلب، وقد يأتي الإكليل من حيث لا يحتسب أحد.
الكاتب ماجد القيسي