الفلسفة الساخرة — حائط مبكى قراءة للأديب محمد البنا في نص «الصندوق» للقاص المصري طارق حنفي

النص الأصلي

الصندوق

قصة قصيرة بقلم: طارق حنفي

بقايا الصناديق تملأ الحي، تصطدم بها الأعين في كل مكان، في الحارات والأزقة، في الميادين والطرقات، تتعثر بها الأقدام أنَّى ذهبت؛ فيهيج قاطنوها ويُسمع صوت النعيق..
حطام الصناديق في العموم صنفان، احتوى أحدهما – فيما مضى – أفكارًا والآخر احتوى الأحلام، يسكن أحدهما بوم والآخر احتلته الغربان.

تعثر أحدهم، وسقط سقوطًا عجيبًا؛ لقد ارتطم جسده بالأرض وانحشرت رأسه داخل بقايا صندوق ما..
من الوهلة الأولى بدا أن هذا الصندوق مختلف؛ فهو مقسم من الداخل إلى قسمين، ويحوي الصنفين..
فجأة، برقت ذاكرته وأضاءت جانبًا مظلمًا من أعماق ذكرياته، برز جزء منها على السطح.

منذ زمن بعيد، حين دوّى صوت مجذوب الحي كالرعد، لقد صاح صيحتين، بعد الأولى قال: “اصنع صندوقًا لأحلامك”، وبعد الثانية: “وآخر لسبل تحقيقها”..
واعتبرها إشارة؛ شرع يصنع صندوقه الخاص، وكلما مرّ عليه أحدهم يقف أمامه في ثبات، لحظات، ثم يلتفت إلى الصندوق بآلية وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، يسير بعدها في طريقه بخطوات رتيبة..

لم يك صندوقه كأي صندوق؛ لقد قسمه من الداخل إلى قسمين، وجعله يحوي الصنفين، الأحلام وسبل تحقيقها..
غمر قلبه السرور وهو يتطلع إلى الأنوار التي تتراقص كلما ضوت الأحلام، وتشيع زاهية كلما ومضت الأفكار..
ثم أغلق الصندوق بإحكام..

لكنه سُرق منه!
تمنى أن يجده، فتش عنه هنا وهناك، بحث في كل مكان دون جدوى، عاهد نفسه على صنع واحد آخر، لاحقًا..
بمرور الوقت تكاسل..
ودون أن يدري بدأ يسير على نهج جديد، الحياة دون صندوق..
مر الوقت، وأذعن للأمر.

ما عادت تبرق، انحسر الضوء، أظلمت، غاصت ذكرياته عميقًا، انزوت في ركنها مرة أخرى..
أخرج رأسه من الصندوق، وقف في ثبات، لحظات، ثم التفت إليه بآلية ووجه يحمل شبح ابتسامة..
ثم صاح صياحًا غير مفهوم..


القراءة

1. تمهيد

الحياة – حياة كلٍّ منا – تندرج في مجملها بين رغبة (فكرة/ هدف) ووسيلة لتحقيقها. هذا ما فُطر عليه البشر، أما أهل هذه المروية فانحصروا بين رغبة وحلم، وكلاهما معنوي لا يرقى إلى مادية محققة.

فكانت النتيجة:
– الفشل (تحطم الصناديق)
– الرتابة والبلادة (البوم والغربان)
– حياة بلا فكر أو حلم أو سعي، حياة بهيمية: يأكلون ويشربون وينامون فقط.

2. المجذوب… المهدي الصادق

كان مجذوب الحي – المجنون في نظرهم – هو المتنبي المهدي العارف.
دعاه كانت هي الهداية:

كل نية يتبعها عمل.

وكان بطل القصة «نوح عصره»، إذ بنى صندوقه كما يُبنى الفُلك وسط الصحراء، وكانوا كقوم نوح يمرون عليه ساخرين.

لكن عزيمته لم تكتمل، فسقط في المصير نفسه:

“أخرج رأسه من الصندوق… ثم التفت إليه بآلية ووجه يحمل شبح ابتسامة.”

3. مفاتيح النص

  • صندوق للأفكار، وآخر للأحلام: انفصال يؤدي لسوء التخطيط ومن ثم الفشل.

  • صندوق واحد منقسم داخليًا: خطوة نحو المنهج السليم، لكنه يحتاج “السعي”.

4. فلسفة النص

حياة بلا فكر، ولا حلم، ولا عزيمة، ولا سعي…
لا تختلف عن حياة البهائم.

التناص المضمر:
نوح والطوفان، قومه والسفينة.

5. التقنية السردية

سرد صدامي متراوح بين السكون والحركة:

  • هدوء/ صدمة

  • هدوء/ صدمة

  • هدوء…

مع مفردات لغوية معبّرة:
(بقايا – تملأ / ارتطم – انحشر / تتراقص – تومض / أخرج – صاح / وقف – التفت – شبح ابتسامة)

6. الخاتمة

يرى الكاتب أن النص انتهى بالفعل عند:

“ووجه يحمل شبح ابتسامة”

أما الجملة اللاحقة:

“ثم صاح صياحًا غير مفهوم”

فهي – على الأرجح – رسالة إيقاظية لقومٍ نيام؛
تحذيرًا بأن مستقبلهم مظلم إن أذعنوا للواقع واستسلموا للكسل.

7. العنوان

الصندوق — كلمة معرفة، تدل على التحديد.
والمقصود:
العقل المغلق على الحلم والرغبة دون سعي وعمل.
هو سجن، وما تحطمه إلا تبعثر وإظلام لا إشراق.

الخلاصة

المتتبع لأطروحات القاص المهندس طارق حنفي يعرف منحاه الفلسفي السردي في معظم أعماله؛ منحى يؤيده ويعضده الكاتب، كما يفعل القاص د. خالد عجماوي، وصاحب القراءة نفسه.

منهج يدفع للتساؤل عن وجودنا، والتفكر في خلق الله وكونه والإنسان، كما أمرنا الله.

ملاحظات عابرة

  • شرح ما لا ضرورة لشرحه:
    (برز جزء منها على السطح/ بحث دون جدوى/ بمرور الوقت تكاسل/ انزوت مرة أخرى…)

  • خطأ شائع:
    «أَنّى»… «أَنَّى»… والله أعلم.

الأديب محمد البنا 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *