دراسة نقدية لقصّة: “الصندوق” للكاتب طارق حنفي للكاتبة  سمية الإسماعيل 

عنوان الدراسة:
“بقايا الصناديق > غرق السفن.. قراءة نقدية في دلالات الرمز والرؤية الفلسفية في قصة طارق حنفي: الصندوق”

 

 الفكرة العامة من النص

يتناول النص تداخل الذكريات والأحلام مع واقع الفرد، وهو واقع محكوم بالعبث والرتابة، يذكّر بمقولة: «لا كرامة لنبي في وطنه». يقدّم رؤية رمزية حول فقدان الإنسان لأحلامه وأفكاره، ويستعرض مسار البطل الذي يبدأ بصنع “صندوق أحلامه”، ثم يواجه السخرية والفقدان والإهمال، لينتهي إلى حياة خاضعة للرتابة وانطفاء الأمل.

ينتمي النص إلى المدرسة الرمزية بوضوح؛ فالعناصر: الصناديق، البوم، الغربان، المجذوب، السرقة، الضوء المنطفئ—جميعها رموز تحمل دلالات أعمق من سطحها المباشر. كما يمكن تصنيف النص ضمن أدب اللامعقول أو القصة الفلسفية لطرحه أسئلة وجودية حول معنى الأحلام والفشل.

 الشخصيات ودورها

1) البطل

يجسّد صراع الفرد بين الحلم والواقع. يبدأ بعزيمة، ثم يواجه السخرية والسرقة والخيبات، فيتحول تدريجيًا إلى شخص مستسلم فقد الزخم الداخلي.

2) المجذوب

يمثل الناصح الحكيم، أو البصيرة الداخلية. صياحه هو الشرارة التي تدفع البطل للعمل، وهو رمز للفطرة الأولى التي تدعو لتنظيم الأحلام.

 الرسالة والمغزى

يحذّر النص من هشاشة الأحلام أمام الواقع القاسي. سرقة الصندوق ترمز إلى فقدان أدوات تحقيق الطموح، ومن ثم الاستسلام. الرسالة تؤكّد ضرورة حماية أحلامنا من السخرية والمثبّطات، والتحذير من الكسل والتسويف.

 المعنى الفلسفي

النص قائم على الأسئلة الوجودية الكبرى:

  • معنى وجود الحلم وهل يمكن فقدانه إلى الأبد؟

  • حدود الإرادة الفردية أمام المجتمع والظروف؟

  • العلاقة بين الجوهر (الأحلام) و الوجود (الواقع).

 التقنيات السردية

  • سرد افتتاحي غامض: يخلق جوًا من الانحطاط والغرابة.

  • استرجاع زمني (Flashback): الانتقال بين الحاضر والماضي لإظهار تطور البطل.

  • لغة مجازية: استعارات وكنايات، مثل “برقت ذاكرته”، “تتراقص الأنوار”.

  • راوي عليم: يكشف مشاعر الشخصية الداخلية، مثل السرور أو الكسل أو الاستسلام.

 الرمزية وتأويلاتها

  • الصناديق: وعاء الهوية والأحلام، ثم تصبح رمزًا للفراغ والفقد.

  • البوم والغربان: التشاؤم والموت وخراب الطموحات.

  • سرقة الصندوق: فقدان القدرة على تحقيق الأهداف بسبب المجتمع أو الكسل.

  • الضوء المنطفئ: موت الأمل واختفاء الرغبة.

  • صياح المجذوب غير المفهوم: ضياع الحكمة وانزلاق البطل إلى اللاجدوى.

 التناص مع قصة نوح

توظيف ذكي لقصة نوح — ليس بوصفها حدثًا دينيًا، بل كرمز للنجاة والبناء في مواجهة السخرية.

  • نوح ينجح لأن مصدره سماوي، أما البطل فيفشل لأن مصدره “مجذوب” وحيد وظروف قاسية وضعف إرادة.

  • النص يحوّل السفينة (الفلك) إلى صندوق شخصي، أي من مشروع إنقاذ البشرية إلى مشروع إنقاذ الذات — لكنه يفشل، دلالة على تقلّص طموحات الإنسان المعاصر.

  • الفارق بين الماضي والحاضر يُبرز الحزن والفقدان: الإنسان المعاصر فقد “سفن النجاة” الروحية والمجتمعية.

 نقاط القوة

  • عمق رمزي وفلسفي متعدد الطبقات.

  • لغة شاعرية مؤثرة.

  • إيحاء وإيجاز.

  • وحدة عضوية بين الأحداث والرموز والشخصيات.

 نقاط الضعف

  • غموض زائد قد يربك القارئ.

  • قتامة دون نافذة أمل.

  • ميل السرد إلى الطابع التقويمي أحيانًا على حساب الشخصيات.

  • تكرار بعض المفردات (مثل “الصندوق”) بشكل يضعف السلاسة.

  • بعض الانقطاعات في السرد تؤثر على تماسك الأحداث.

 النهاية

النهاية مأساوية لكنها منطقية:

  • «وجه يحمل شبح ابتسامة» → إعادة التكرار والتسليم بالرتابة.

  • «ثم صاح صياحًا غير مفهوم» → إضافة طبقة غامضة مفتوحة للتأويل، تعكس ضياع البطل وحكم المجذوب.

 التقييم العام

قصة “الصندوق” نص رمزي مكثف وذو بعد فلسفي، يقدّم رؤية وجودية عن الأحلام والضياع. ورغم جمال اللغة وعمق الرمزية، يحتاج النص إلى سلاسة أكبر وتخفيف الوصف المباشر.


نص القصة

قصة قصيرة بقلم: طارق حنفي

بقايا الصناديق تملأ الحي، تصطدم بها الأعين في كل مكان، في الحارات والأزقة، في الميادين والطرقات، تتعثر بها الأقدام أنَّا ذهبت؛ فيهيج قاطنوها ويُسمع صوت النعيق..

حطام الصناديق في العموم صنفان، احتوى أحدهما – فيما مضى – أفكارًا والآخر احتوى الأحلام، يسكن أحدهما بوم والآخر احتلته الغربان.

تعثر أحدهم، وسقط سقوطًا عجيبًا؛ لقد ارتطم جسده بالأرض وانحشرت رأسه داخل بقايا صندوق ما..
من الوهلة الأولى بدا أن هذا الصندوق مختلف؛ فهو مقسم من الداخل إلى قسمين، ويحوي الصنفين..
فجأة، برقت ذاكرته وأضاءت جانبًا مظلمًا من أعماق ذكرياته، برز جزء منها على السطح.

منذ زمن بعيد، حين دوَّى صوت مجذوب الحي كالرعد، لقد صاح صيحتين، بعد الأولى قال: ”اصنع صندوقًا لأحلامك“، وبعد الثانية: ”وآخر لسبل تحقيقها“..
واعتبرها إشارة؛ شرع يصنع صندوقه الخاص، وكلما مر عليه أحدهم يقف أمامه في ثبات، لحظات، ثم يلتفت إلى الصندوق بآلية وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، يسير بعدها في طريقه بخطوات رتيبة..

لم يك صندوقه كأي صندوق؛ لقد قسمه من الداخل إلى قسمين، وجعله يحوي الصنفين، الأحلام وسبل تحقيقها..
غمر قلبه السرور وهو يتطلع إلى الأنوار التي تتراقص كلما ضوت الأحلام، وتشيع زاهية كلما ومضت الأفكار..
ثم أغلق الصندوق بإحكام..

لكنه سُرق منه!
تمنى أن يجده، فتش عنه هنا وهناك، بحث في كل مكان دون جدوى، عاهد نفسه على صنع واحد آخر، لاحقًا..
بمرور الوقت تكاسل..
ودون أن يدري بدأ يسير على نهج جديد، الحياة دون صندوق..
مر الوقت، وأذعن للأمر.

ما عادت تبرق، انحسر الضوء، أظلمت، غاصت ذكرياته عميقًا، انزوت في ركنها مرة أخرى..
أخرج رأسه من الصندوق، وقف في ثبات، لحظات، ثم التفت إليه بآلية ووجه يحمل شبح ابتسامة..
ثم صاح صياحًا غير مفهوم..

للكاتبة سمية الإسماعيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *