أنا من مواليد برج الحوت، منذ صغري كانت أمي تخبرني بأنه آخر برج من الأبراج السماوية الاثني عشر، وهو برج العباقرة والمبدعين، ما أعطاني شعوراً بأنني مختلفٌ عن جميع الذين من حولي، وأصبحت منغلقاً على نفسي، مستغرقاً في أحلام اليقظة، مستمداً خيالاتها من أفلام هوليوود، هارباً من الواقع والأعباء اليومية، يحدوني إيمان قوي بأنني سأصبح مليونيراً يوماً ما.
كان حلمي أن أصبح طبيباً مختصاً في جراحة القلب، لكنني بعد أن رسبت مرتين في فحص الشهادة الثانوية، توسط لي والدي عند أحد معارفه، وتوظفت حارساً بسيطاً في متحف بيروت الوطني، واستمررت في العيش مع أسرتي، وقراءة المجلات التي فيها زاوية حظك لهذا الأسبوع، للتعامل مع تحديات الحياة وتوقّع الفرص القادمة، لكن أحلامي بأن أصبح مليونيراً لم تنتهِ.
بعد سنتين من العمل تمكنت من توفير أربعة آلاف دولار، لقد عرض عليَّ أحدُ تجار العملة أن يستثمر هذا المبلغ في العملات الإلكترونية، وأكد لي أن الأرباح مضمونة، لأنه يستعمل برنامجاً للذكاء الاصطناعي في تجارة العملة، وقبل أن أعطيه المبلغ، ذهبت لاستشارة منجِّمة معروفة في بيروت، اسمها فاطمة، تقيم في زقاق البلاط، وهي مخاوية للجن، وتستطيع أن تقرأ مستقبلي من خلال برج الحوت ومن ارتباطه مع بقية النجوم والأبراج، مزيج من الخلط بين علم التنجيم وعلم الفلك.
نصحتني بأنه آن الأوان لكي أتحرك إلى الأمام للاستفادة من أي فرصة، بدلاً من القبول بوضعي الحالي موظفاً صغيراً بلا مستقبل. تشجعت من نبوءتها، وأعطيت أربعة الآلاف دولار لصاحبنا، ليستثمرها في سوق الأموال الإلكترونية، ولم يمضِ شهران حتى خسرت الآلاف الأربعة من الدولارات، وأول ما خطر على بالي أن أعود إلى العرَّافة فاطمة، لأحمّلها مسؤولية هذه الخسارة.
في ليلةٍ، وقد استهلكني الغضب، بعد أن أصبح الفشل صديقي الوحيد، ذهبت لزيارتها، عندما دخلت غرفتها كانت رائحة البخّور الرخيص تملأ الغرفة، وتخنق الأنفاس، وهي جالسة على الأرضية، وأمامها طاولة صغيرة عليها كرة بلورية بالمنظر نفسه الذي شاهدتها عليه قبل شهرين، تحملق بتركيز في الكرة البلورية، لأنه محكوم عليها بتضليل الأرواح البائسة.
بصوت مرتجف همستُ مرتعداً: “لقد حطمتني أكاذيبُكِ ودمّرت حياتي”. رفعت رأسها ونظرت إليّ، بالوجه نفسه وبعينين باهتتين، وقد رسمت على شفتيها ابتسامة باردة، “منذ شهرين حضرت إلى هنا من أجل مستقبلك، والآن أصبحت مرتبطاً بي”. لم أفهم في بادئ الأمر ماذا تعني بهذه الجملة.
لم أعد أستطيع أن أتمالك نفسي من أكاذيب هذه المرأة التي لا تنتهي، فوضعت يديَّ على حلقها، وبدأت أضغط بكل قوتي، لكنها ابتسمت وهمست في أذني، أنا لم أدمِّر حياتك، لكني كشفت عما كان مقدراً لك أن تفعله. شعرت بالخوف في تلك اللحظة، ورفعت يديَّ عن رقبتها، وبدأت أفكر بالركض خارج شقتها.
أدركت حالتي النفسية التي أمرُّ بها، فتابعت حديثها: “لقد أظهرت لك مستقبلك الذي تستحقه، غداً ستبدأ العمل مساعداً لي، مستقبلك أصبح مضموناً، أنا لم أكذب عليك، لقد أصبح لك الآن عملاً ثابتاً يدرُّ عليك معاشاً محترماً في نهاية كل شهر.
الكاتب أمين الساطي