قصة قصيرة قارئ الأفكار للكاتب أمين الساطي

 

أنا واحدٌ من الأشخاص الذين تشاهدهم بالطريق في كل يوم وأنت ذاهب إلى عملك، أنا موظف صغير في مديرية الصحة في بيروت، وأعيش مع أسرتي الكبيرة، وأساهم في مصروف البيت، وما يتبقى من راتبي بالكاد يكفيني لنهاية الشهر، منذ فترة تلقيت لقاحاً ضد الكورونا، ساهم اللقاح في زيادة الشحنات الكهربائية الصادرة عن دماغي، وأدَّت هذه الشحنات الكهربائية المفرطة لحصولي على قدرات خارقة للطبيعة، فأصبحت قادراً على قراءة موجات دماغ الأشخاص الآخرين وفهم ما يدور في عقولهم.

تيقّنت من أن اللقاح هو السبب في ذلك، بعد أن قرأت أن هناك آلاف القضايا في المحاكم الأميركية من المرضى ضد شركات الأدوية المصنّعة للقاحات، بسبب الأضرار الجانبية التي سبَّبها هذا اللقاح.
أدى النشاط المفرط لجهازي العصبي إلى توتري الدائم وقلة نومي، ما سبب لي شعوراً بالغضب الدائم واضطرابات ذهنية، أدت إلى انفصالي عن الواقع، فانسحبت إلى عالمي الخاص الذي أقضيه بين مشاهدة الأفلام على التلفزيون، وبين تحقيق نزواتي الجنسية من خلال أحلام اليقظة.

أخفيت هذه القدرات عن جميع من حولي، حتى لا يشعروا بالخوف مني، ويتهموني بالجنون، حتى عن صديقتي المقرّبة سلمى، وهي صيدلانية تعمل معنا في مديرية صحة بيروت، على الرغم من أنها تكبرني بأربعة أعوام وشكلها عادي جداً، فإنني كنت أفكر جدياً بالزواج منها، لأنها البنت الوحيدة التي يمكنها أن تنقذني من العزوبية، إذ إنَّ راتبها العالي نسبياً بإلإضافة إلى راتبي وبصعوبة قد يكفينا لفتح بيت في بيروت.

في إحدى المرات، ونحن جالسان في مقهى برزخ بشارع الحمرا، أخبرتها بأني قادر على أن أعرف بما يدور في ذهنها، ضحكت من هذه الخبرية، أجابتني: “أرني شطارتك”. أعطيتها بعض الدقائق لترتب أفكارها، فاجأتها قائلاً: أنتِ تتساءلين فيما إذا تزوجنا، فهل سأتوقف عن دفع جزء من راتبي لعائلتي؟

تحوّلت نظرتها إلى انبهار، وحاولت ألا تصدّق ما أقول، فشرحت لها ماذا حدث لي من لقاح الكورونا؟ غيرت من جلستها، وقالت لي وعيناها كعادتها تشعُّ ذكاءً، وبصوتها الممزوج بالحيوية والنشاط، لماذا لا نستغل هذه القدرات لزيادة دخلك، ما سيسهل زواجنا؟
بعد يومين دبّرت لي موعداً بوساطة أحد معارف والدها في تلفزيون الغد، لمقابلة مقدمة أحد البرامج التلفزيونية، من أجل اكتشاف إمكانية إشراكي في برنامجها التلفزيوني مقابل أجر مادي.
دخلت مكتبها بكل ثقة ومع شعوري بقدراتي، جاءني الغرور، لكن عندما نظرت إليها، انبهرت بجمالها وهي جالسة خلف طاولة ذهبية، تتابع بعض أعمالها على شاشة الكومبيوتر. بعد أن عرفتها بحالي، شعرت بشيء غريب، فابتسمت محاولة إزالة التوتر الذي خيَّم على المكان.

إن الموجات الكهربائية التي تصدر من دماغها قوية جداً، حتى قاربت بأن تسبب لي نوبة من الصرع، ما أكّد لي أنها لا تنتمي إلى هذا الجنس البشري. لا شك أنها بالمقابل شعرت في تلك اللحظات باضطرابات في توزيع الطاقة في جسمها، وأدركت أنني أمتلك قدرات بيولوجية غير طبيعية، تمالكت نفسها، وتحدثت معي عن طبيعة الدور الذي سوف ألعبه في برنامجها التلفزيوني، أخبرتني أنها ستنسق لي موعداً مع مدير المحطة التلفزيونية، لترتيب ظهوري على التلفزيون.

بعد يومين ذهبت لمقابلة مدير المحطة التلفزيونية في الساعة الثامنة مساءً، عندما دخلت غرفة الاجتماعات، كان المدير ومساعده خلف طاولة سوداء مستطيلة وصغيرة لستة أشخاص، والغرفة كلها جدران، وليس بها ألواح زجاجية مثل بقية المكاتب، وذلك لعزل الصوت، ولضمان سريّة المناقشات التي تجري في الغرفة، لقد أصبحت الأمور كلها مكشوفة، وجميع الأوراق على الطاولة.
شرح لي المدير بأن العنف سمة متأصلة في الطبيعة البشرية، ناتجة عن عوامل تطورية جينية، ولا سبيل لإيقافها، وأن تاريخ البشرية هو سلسلة من الحروب التي لا تنتهي، وأنه بعد تفجير الإنسان للقنبلة الذرية، أصبح يشكل خطراً على نفسه، وعلى سكان الكواكب الأخرى القريبة من الكرة الأرضية، لذلك قررت الإدارة التي تدير كوكب المريخ تحمُّل مسؤولياتها تجاه سكان الأرض، وأرسلت مستشارين ليساعدوا حكومات الدول الموجودة على كوكب الأرض لتسيير الأمور وإبقاء الأوضاع تحت السيطرة.
ختم حديثه قائلاً: إننا نعرف أنك تمتلك بعض القوى الخارقة، ما يجعلك أقرب إلينا من البشر العاديين، أنا أقترح عليك أن تنضمَّ إلينا، لتصبح جزءاً من المنظومة الحاكمة، غداً ستصطحبك مقدمة البرامج الجميلة التي أنت معجب بها، إلى مستشفى خاص، حيث سيقوم طبيب مختص بزراعة شريحة إلكترونية في دماغك، ما سيسهل اندماجك مع مجموعتنا.
غادرت مبنى التلفزيون، على أن أعود في الساعة العاشرة صباحاً من اليوم التالي إلى المبنى، لأذهب مع البنت الفاتنة إلى المستشفى، في أثناء طريقي إلى منزلي، أصابتني نوبة مفاجئة من الهلع الشديد؛ بسبب زرع هذه الشريحة الإلكترونية المجهولة، للسيطرة عليَّ من القادمين من المريخ، شعرت بأنني أفقد السيطرة على جسمي، وأنني على أبواب نوبة قلبية، أو حتى أنني سأموت.

قادتني قدماي رغماً عني إلى مخفر المصيطبة القريب من سكني، وذهبت لمقابلة المساعد أبو رشدي، الذي أعرفه منذ زمن طويل، كان لحسن حظي ضابطاً مناوباً في المخفر لهذه الليلة، جلست أمامه على الكرسي، وأنا أرتجف من الخوف، وأنا أسرد له ما حدث معي مع المسؤولين عن محطة الغد.
عندما انتهيت من حديثي، قال لي حرفياً: “هذا الموضوع خطير جداً، ولا بدَّ من إطلاع العقيد المسؤول عن الأمن الداخلي عليه”. أخذ سماعة التلفون، واتصل به قائلاً: “عندي هنا شخص بالمخفر من أبناء الحي، وقد اكتشف المستور، فأجابه العقيد بغضب: “هل فتحت محضراً بالموضوع، فردَّ عليه المساعد، طبعاً لا، سمعت بعدها صوته على الهاتف، أبقهِ عندك الآن، سأرسل سيارة جيب مع شرطيين لأخذه.
ما هي إلا نصف ساعة، ووجدت نفسي بسيارة الجيب متجهاً صعوداً بطريق، أشجار الغابات على الجانبين، متجهين إلى منطقة عرمون، حيث يوجد هناك مستشفى الشفاء التخصصي للأمراض النفسية.
جرى إيداعي المستشفى، من دون تسجيل اسمي أو إجراء أي معاملة ورقية. بعد وصولي مباشرة اصطحبني ممرض طويل قويُّ البنية، إلى غرفة أحد الأطباء، بعد دخولي الغرفة، حاولت أن أشرح للطبيب أنه قد حدث خطأ ما في إدخالي مستشفى الأمراض النفسية، أجابني بنشافة: أنا أعرف قصتك بالكامل، لا داعي لإضاعة الوقت.
يوجد هنا بالمستشفى نحو مئتين وخمسين مريضاً، لديهم القصة نفسها، غداً ستخضع إلى العلاج بالصدمات الكهربائية مرتين باليوم، يجب عليك أن تتناول حبوب الأدوية التي أوصفها لك بانتظام، إن شاء الله بعد شهرين من العلاج المكثّف، ستستعيد صحتك، وننظف ذاكرتك من هذه الأوهام التي تعشِّش بها.

الكاتب أمين الساطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *