النعومة قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري  في كتاب “ياسمينات باسمة” – زياد جيوسي

في آخر زيارة للأردن، التقيت بالصديق زياد جيوسي في المكتبة الوطنية بعمان أثناء الاحتفاء بالروائي هاشم غرابية، وأهداني كتابه “ياسمينات باسمة”. كان من المفترض أن أنهي الكتاب قبل هذا الوقت، لكن لم أكن أتوقع أن يغادرنا زياد دون وداع، دون أن نتحدث عن كتابه وما احتواه. غيابه كان مؤلمًا، لأنه لم يُستكمل حقه لدى “رائد” الذي أهمل أعماله، مكتفيًا بالصداقة والمودة التي جمعتهما.

ليست هذه محاولة لتبرير حال “رائد”، الذي يعاني كحال أي فلسطيني من آثار الاحتلال، التي تعكر وتقتل كل مظاهر الحياة في كل لحظة. لكن هذا أحد أسباب تأخير قراءتي لـ*”ياسمينات باسمة”*.

صدقني يا زياد، لو كنت أعلم أن كتابك يتميز بهذه النعومة والهدوء، لتوقفت عنده فور عودتي مباشرة. “رائد” بحاجة إلى الهدوء والابتعاد عما يستفزه، لكنه تأخر، ونأمل أن يغفر له زياد تقصيره في إعطاء حق الكتاب.

من يقرأ ياسمينات باسمة يلحظ حضور الياسمين والحبيبة والمكان في كل عنوان فرعي، ما يجمع بين العنوان والمتن لتقديم صورة للفرح والجمال. الياسمين مرتبط بالمكان الذي يتعامل معه الكاتب بحميمية، تمتد هذه الحميمية لتشمل عدة مدن عربية عاش فيها زياد، مثل عمان، بيروت، بغداد، القاهرة، دمشق، تونس، الجزائر، المغرب، إضافة إلى رام الله وطولكرم ونابلس، وصولًا إلى جيوس التي تمثل الحضن الدافئ الذي يستمد منه الكاتب الحب والحنان لينثرهما على الآخرين.

الحب والعطاء والابتسامة والتواضع الذي كان حاضرًا في زياد ينبع من جيوس، كما يظهر في وصفه:


“تعالي لنحق كما عصفورين فأنا أشعر بروحي ترافق طيفك، فنحلق فوق الربى الكرمية لنعانق حيفا وأقبلك على قمة الكرمل، إلى عمان الولادة والطفولة والشباب، والانتماء لمدينة سكنت مني الروح، ونحلق لدمشق ونتجول في أحيائها الجميلة، ومن هناك إلى بيروت، إلى البيضاء الجميلة حيث فتحتسي كوب الشاي الأخضر بالنعناع على حافة الأطلسي، مارين ببغداد، رام الله، وطولكرم، لنعود في نهاية الرحلة إلى فيء زيتونات جيوس الخضراء…” ص38

ولا يقتصر جمال الكتاب على الطبيعة والمكان، بل يبرز حضور صوت الأنثى والحبيبة التي يتحاور معها الكاتب، فهي المحفز لوجود “ياسمينات باسمة”. تظهر حية في نصوصه:


فتهمسين: أنت وحدك من يعرف كيف تقرأ طرقات روحي، فأنا لك في لقائنا، أنت مثل رائع لعاشق مجنون يرافق جنوني ص51

وفي حالة الغياب، يتخذ الكاتب طيف الحبيبة ليحدثها بما يشعر به:


“جميل أن تكون حروفي وأحلامي العمانية قد مرت أمام عينيك قبل النوم، لعلي بتأثيرهما أزورك في حملك وأورع ياسمينة في شعركِ، فتحديها في الصباح على وسادتك يا حلوتي، فيكون صباحك ياسمين وأزهار” ص111

جمال الأنثى يكمل جمال الطبيعة، ما انعكس على رقة النصوص ونعومتها، فجاءت ناصعة البياض، بهية الخضرة، رقيقة الجسد.

الكتاب من منشورات جسور للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، والرعاة للدراسات والنشر، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2023.

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *