البؤس العربي في رواية “آرام” – فاطمة محمد الهلالات قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري

في الآونة الأخيرة وجدتُ أن هناك تفوقًا في أدب النساء، فأعمالهن يتجاوزن ما يطرحه الكُتّاب في أعمالهم. رواية “آرام” نموذج لهذا التفوق؛ فالسرد يبدأ وينتهي دون فصول أو أجزاء، وهذا يذكرني بروايات “أقدم الخطايا” لكمال خلف، و*”بلاد البحر”* لأحمد رفيق عوض. وهذه الطريقة في التقديم قلّ من يستخدمها في الأعمال الروائية. واللافت في الرواية أن الكاتبة تنحت جانبًا، وأعطت السارد العليم حرية الحديث عن بطل الرواية “يوسف”، حتى إن القارئ لا يشعر بوجود أنثى. هذه الحيادية تحسب للرواية التي جاءت مترعة بالأفكار والحكم والأسئلة، وهذا ما سهّل على القارئ تناولها، فهي رواية فكرية أكثر منها رواية شخوص.

بؤس الشرق

تتحدث الرواية عن “يوسف” الذي يترك الشرق وما فيه من قسوة وألم متجهًا إلى الغرب وما فيه من حياة، مبديًا ألم المواطن العربي الذي يعيش جحيم الشرق:
“أضحينا نتقيأ أحلامنا على ذات الوسادة كل مساء، ونصحو متعبين من كوابيس المنام لنحلم في النهار أحلام اليقظة…” ص78.
نلاحظ أن السارد يتجنب الخوض في تفاصيل ألمه، وهذا يحسب للرواية التي وسّعت حجم الألم، بحيث يجد القارئ الوجع المادي، والاقتصادي، والسياسي، والقومي، ويفتقد العزة والكرامة.

ويظهر الحلم كأداة للتخفيف من شدة البؤس:
“عليك أحيانا أن تزمل خيباتك بأحلام اليقظة، كي تعيش” ص101.
ويؤكد يوسف ذلك بقوله:
“وأنا كل ما فيّ أحلام، ماضيّ وحاضري، حتى مستقبلي أحلام” ص41.
وهذا يشير إلى هروب المواطن العربي من واقعه المرير نحو الخيال/ الحلم/ الوهم طلبًا للراحة.

البؤس السياسي

من أشكال البؤس العربي موت الأحزاب والتنظيمات التي أصبحت مرتعًا للانتهازيين والوصوليين، حتى أمست جثثًا حيّة:


“وجعلوا من ظهري سلّمًا، ليصعد عليه بعضهم…” ص50.


هذا المقطع يختزل حال الأحزاب القومية، اليسارية، والوطنية في المنطقة العربية؛ الجميع فقد دوره وتأثيره، وما حرص التنظيمات الفلسطينية على رفع راياتها إلا محاولة لتعويض فقدان حضورها الجماهيري.

الحياة الكريمة مفقودة؛ الحريات منتهكة، أدوات التغيير ضعيفة، الحكومات قمعية، والجماهير مغيّبة. لذلك يبدو الموت أرحم من حياة بلا هدف:


“وماذا يعني الموت؟! لم يبق ما هو مؤلم…” ص109.

وتستمر الرؤية السوداوية:


“نحن البشر بارعون في هدم الحضارات أكثر من بنائها” ص127.
“ستجري عمرًا خلف وهمك…” ص141.
“ونحن متى حيينا كي نموت؟!” ص150.

وهذا يصل بنا إلى حقيقة سقوط كل ما هو وطني/ قومي، وموت المثقف الثوري الذي يمثّل آخر قلاع الوعي.

المرأة

تكاد الرواية تخلو من حضور النساء حتى صفحة 120، عندما يعمل يوسف سائقًا ويتعرف على “آرام” التي تأتيه أولًا في الحلم ثم تظهر حقيقة كشاهدة لصالحه. يكتب لها:
“أنا حقا لا أدري إن كنتِ حقيقة أو سرابا…” ص129.
هنا يقدم السارد المرأة كعنصر تخفيف يلجأ إليه الرجل وقت القسوة.

ويتقدم يوسف أكثر في كشف وجعه لها:
“أنا مقتول جاء من ماضٍ لا يصلح لإغواء…” ص130–131.
ورغم كشفه لهمومه، يبقيها غير محددة، مما يعطي القارئ مساحة للتماهي معه وتخيّل تفاصيل وجعه.

الأسئلة

الرواية موجهة للمثقفين المهتمين بالفكر، وتطرح مجموعة أسئلة عميقة، منها:
“لماذا نقحم أنفسنا في الآخرين وفي معتقداتهم؟!” ص62.
و:
“لماذا يتعايش شعب مختلف الأصول والأديان بسلام في مكان ما… وتعجز عنه شعوب يسري في عروقها دم واحد؟!” ص103.

ثم السؤال الختامي:
“ما جدوى أسئلتنا العقيمة إن نسينا أننا خلقنا مختلفين لنتكامل؟!” ص184.
وهو تأكيد على أن التعدد هو أساس بناء المجتمع المدني.


الحكم

ينثر السارد بين صفحات الرواية حكمًا مختزلة للتجربة:
“عليك أحيانا أن تقطع تعلقك بشخص… لتوقف نزيف الألم والأمل” ص25.
“السعادة أن نعرف كيف نتقاسم كوب الشاي” ص52.
“إياك أن تنفي سنينك في انتظار تغير من لا يشبهونك” ص149.
“ما جدوى الحياة إن لم تثق بأحد؟!” ص151.
“كن إنسانًا أيًا كان مذهبك” ص191.

هذه الأقوال تصلح للفرد، وللمثقف، وللمجتمع، وللأحزاب والتنظيمات أيضًا.

الرواية من منشورات وزارة الثقافة الأردنية – الطبعة الأولى 2022.

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *