كان الظلام يخيّم على غرفة المستشفى، ولا يقطع هذا الصمت الثقيل سوى صوت الإيقاع المتكرر للجهاز الطبي لمراقبة القلب، الذي يحاول أن يُبقي عصام مرتبطًا بالحياة. رفع نظره ببطء نحو ضوء الفلورسنت الأبيض الباهت فوق سريره، فزاد شعوره بالوحدة، وأدرك أن الضوء يتسرّب إلى عقله ويسيطر عليه رغمًا عنه. حتى رائحة هواء الغرفة المعقّمة فاقمت إحساسه بالكآبة.
خطر له أن ينظر إلى النافذة علّه يخفف من حدّة التوتر الذي يضغط صدره. العالم الخارجي بالتأكيد يتابع حياته، لا يلتفت إليه وهو ينزلق نحو الموت، تاركًا خلفه عالمًا استهلاكيًا قاسيًا سرق منه حياته.
تذكر أيام الشباب، حين كان في العشرينيات، يركض صباحًا من شقة أهله المتواضعة ليلحق بالباص إلى عمله. عاش حياة صعبة، اضطر خلالها إلى ترك الدراسة بعد الثانوية للعمل في شركة كبيرة للاستيراد والتصدير. ومع تقدّمه في وظيفته ازدادت قناعته بأن حياته ستتحسن.
بعد أربع سنوات من العمل الدؤوب تضاعف راتبه، وأصبح دخله معقولًا. عندها تجرّأ على الزواج من جارة طفولته — لمياء— حلمه القديم الذي لم يفارقه يومًا.
ومن أجل سعادتهما، بدأ يسعى لرفع دخله الشهري؛ فضاعف ساعات العمل، وقضى أغلب وقته في متابعة أعمال الشركة بإخلاص. كان يأمل أن يحصل على رضا صاحبها، فيزداد راتبه ومكافآته. وهكذا… باع ساعات حياته بهدوء دون أن يشعر به أحد.
لطالما طلبت منه لمياء أن يأخذ إجازة أسبوعين ليذهبا إلى إسطنبول، تزور فيها معالمها التاريخية ومتحف آيا صوفيا، وتستمتع بجمال الطبيعة والمأكولات. لكنه كان يؤجل دائمًا، يختلق الأعذار ويتملص من النفقات خوفًا من المستقبل. كان يرى أن تراكم النقود ضمانٌ لمستقبل أسرته، ولم يدرك أنه يسرق من حياته وحياة زوجته في كل مرة يؤجل فيها الرحلة.
توفيت لمياء قبل خمسة أعوام، وتركت خلفها فراغًا يزداد اتساعًا كل يوم، وتركت معه صدى ضحكتها ولمساتها الناعمة. آه… كم يشعر الآن بالحاجة إليها! كم تمنّى لو أنه سايرها، وأعطاها وقتًا من عمره، وترك لها فرصة أن تعيش كما حلمت.
دخلت الممرضة الغرفة بابتسامة اصطناعية تعودت توزيعها على المرضى لطمأنتهم. سألته إن كان يحتاج شيئًا، فهزّ رأسه بالنفي. وما الذي يمكن أن يطلبه؟ كأسًا من الماء ليروي عطش السنين الجافة التي عاشها في روتين العمل وتأمين المستقبل؟
تلاشت ملامح الزمن من حوله، وتشوش عقله وهو يستعيد ذكرياته مع زوجته. لم ينتبه لغروب الشمس، وانقاد من جديد إلى الندم. ندم لأنه لم يخبر لمياء بحبه الجنوني لها، ولم يقل لها إن كل تضحية كان يقوم بها كانت من أجلها ومن أجل ابنهما رمزي. ربما كانت تدرك ذلك، وإن لم تفتح معه هذا الحديث يومًا. وجد قليلًا من العزاء في ذلك الإدراك المتأخر.
راح يفكر في ابنه رمزي:
ماذا يفعل الآن في ألمانيا؟
لقد زاره قبل عامين في برلين بعد أن أصبح طبيبًا مختصًا بالأمراض الجلدية، وتزوج ممرضة ألمانية. تمنّى لو كان بجانبه الآن، ليراه آخر مرة. ندم لأنه لم يمنحه وقتًا كافيًا في صغره، ولم يخبره كم كان فخورًا به. العمل امتصه حتى فقد بصيرته، وحوّله إلى آلة مبرمجة تنسجم مع عالم استهلاكي لا يعرف الرحمة.
انحدرت دمعة على خده الأيمن، بينما بدأ صوت جهاز مراقبة القلب يبطئ دقاته. حاول أن يمدّ يده ليضغط الجرس ويستدعي الممرضة، لكن يده خذلته. كانت ضعيفة… ضعيفة جدًا.
رآها أمامه فجأة…
لمياء.
واقفة عند باب الغرفة، كأنها حضرت لتأخذه معها. كانت الصورة واضحة حدّ الإيمان. وكل ما تمناه في تلك اللحظة أن يقول لها:
“يا ليتني أعود معك ثلاثين سنة إلى الوراء… لنبدأ من جديد.”
الكاتب أمين الساطي