حدوتة النهر الغاضب رواية قصيرة جدا للكاتب مبارك إسماعيل ودحمد

الفصل الأول: جرح النهر

لم يكن النيل يجفُّ في الأحلام، لكنه جفّ في الحقيقة.
استيقظ الناس ذات صباح، فلم يجدوا انعكاس الشمس في الماء، ولا الصيادين على الشاطئ، ولا القوارب المربوطة إلى جذوع النخيل. كأن الأرض أغلقت عروقها فجأة، وكأن الله قرّر أن يسحب أنفاسه من هذا التراب.

كانت بتول تسكن في الحي القديم، في بيتٍ من طين بأطراف أم درمان، بيتٍ يعرف رائحة القهوة وكِسرة الفتريتة والرماد. وكانت ستّ النفور أمّها تقول لها:

“يا بتي، النيل دا قلب السودان. الحرب دي خلّتُو يتملى بيه جثث الميتين، والرب غضب علينا… هسع بقى تراب. لو بقى على حالو دا، يانا الميتين من العطش يا بتي.”

والآن… النيل واقف، والبلد واقفة على حافة الصمت.

عند المساء خرجت بتول إلى الشاطئ اليابس، تسير بين الشقوق كأنها تبحث عن نبضٍ في صدرٍ ميت. رأت الناس مجتمعين يصلّون جماعة، يبكون، يرفعون أيديهم إلى السماء، ثم يضربون التراب بأكفّهم في يأس هائل. وكان الشيخ ضيف الله، بلحيته البيضاء وعمامته المائلة، يقف بينهم كمن فقد اللغة.

صرخ بصوت مبحوح:

“يا جماعة الخير، الموية ما هربت منكم… الموية استحت!
استحت من الدم البنزل في النيل كل يوم!
استحت من الكذب البقينا نحلف بيه باسم الله!”

عمّ صمت طويل. ثم انحنى رجل عجوز على ركبتيه وقال باكيًا:

“يعني شنو يا شيخ؟ دا غضب؟”

فأجاب الشيخ:

“كيفن ما تغضب السما!
ما شايفين البحر دا كلو دم وناس ميتين!!؟
والكسرة والملح ال بيناتنا بقو دم وخراب!!؟”

في تلك الليلة رأت بتول حلمًا غريبًا:
الشمس كانت امرأة سوداء ترتدي عمامة ذهبية تُضيء من داخلها، لكنها كانت تخلعها ببطء وتلقيها في النيل اليابس. وحين سقطت العمامة خرج بخار كثيف على هيئة صبية صغيرة تبتسم.

قالت لها الشمس:

“اكتبي يا بتول… اكتبي الدم الجديد.
لكن لا تكتبيه من جرحك، اكتبيه من قلبك.”

استيقظت بتول وهي تلهث. في الخارج كان الفجر أزرق باهتًا، كأن السماء ندمت على ليلها.

الفصل الثاني: المقاتل

بعد أسبوع من جفاف النيل، عاد رمضان إلى المدينة. كان مقاتلًا سابقًا فقد يده اليمنى في الحرب، وعاد ليحفر قبور أصدقائه. في عينيه لَهَبٌ لا ينطفئ.

حين رأوه قالوا:

“جا الزول المجنون… البحارب ظلّو في الليل!”

جلس رمضان على ضفة النهر اليابس، وأخرج حفنة تراب وضعها في كفّه المبتورة.
قال لبتول التي كانت تراقبه من بعيد:

“شايفة يا بت الناس؟ النيل دا ما مات… بس تعب مننا.
تعب من دمنا، من حروبنا، من كذبنا.
والله لو كان بشر كان سابنا من زمان… ومويتُو كان أولى بيها التراب.”

ابتسمت بتول:

“يمكن بس داير يسمع كلمة صدق.”

ضحك رمضان بصوت أجش:

“الصدق؟ دا زول ميت من زمان… دفنوه في أول طلقة!”

ثم أغلق عينيه كأنه يسمع شيئًا:

“في الليل… بسمع صوت الموية. بتحاول تتكلم… لكن لسانها مكسور.”

اقتربت بتول وسألته:

“بتفتكر النيل ممكن يرجع؟”

فأجاب:

“لو لقّينا الكلمة المفقودة… بيرجع.”
“الكلمة المفقودة؟”
“أيوَا… في آية ناقصة في كتاب الخلق. ربّنا كتبها بالنور… لكن البني آدمين مزّقوها بالحرب.”

تذكّرت بتول حلم العمامة الذهبية… ربما تلك هي “الآية” التي طُلِب منها أن تكتبها.

الفصل الثالث: النبوءة

انتشرت الإشاعة في المدينة:

“بتول البت الحالمَة… شافت الشمس!”

صار الناس يطرقون بابها يسألون:

– “الشمس قالت شنو؟”
– “الموية بترجع متين؟”
– “في توبة ولا خلاص؟”

كانت تقول بعين دامعة:

“ما في توبة بلا صدق… لكنكم ما بتسمعوا.
كل زول داير الصولجان… حتى لو الناس كلها ماتت من العطش!”

جاءها الشيخ ضيف الله مساءً وهو يحمل مصحفًا عتيقًا، غلافه محروق من الأطراف.
قال:

“لقيتو في الجامع القديم بعد ما النيل جفّ.
فيهو سورة ما سمعنا بيها قبل… اسمها سورة الرماد.”

فتحت بتول المصحف. كانت الحروف تتوهّج كالجمر، وفي وسطها كلمة تتكرر:

“الاعتراف”

قال الشيخ مرتجفًا:

“يمكن دي هي الآية الناقصة يا بتي…
الاعتراف قبل الغفران.
يمكن النيل منتظر يسمع اعترافنا… وتوبتنا من سعير الحرب دي!”

خرج الثلاثة — بتول، رمضان، والشيخ — في موكب صغير إلى مجرى النهر اليابس. أشعلوا نارًا وقرأ الشيخ ما استطاع من “سورة الرماد”.

فدار الهواء حولهم كدوّامة، وسمعوا صوتًا عميقًا من تحت الأرض:

“من لم يغتسل بالصدق… لا يشرب من النهر الجديد.”

صرخ رمضان:

“من فشّ غبينتو… خرب مدينتو!”

وصاحت بتول:

“يا نيل… نحنا دايرين نبدأ من أول وجديد!”

فانفجر البرق في السماء، وسقط المطر… لكنه لم يكن ماءً، بل رمادًا أبيض كالطحين.

الفصل الرابع: ولادة الضوء

استمر مطر الرماد ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ.
غطّى البيوت والطرقات، وصار الناس يمشون فوق رماد يلمع كالثّلج.

فجر اليوم الرابع خرجت بتول وحدها إلى النهر.
وجدت الماء يعود ببطء… يتسلل أولًا بين الحصى، ثم يبتسم للشمس.

لكن الشمس كانت مختلفة.
بلا حجاب… وجهها أسمر، شعرها مبلول، وعيناها كجمرتين.

قالت:

“يا بنت التراب والماء… كتبتُم الآية أخيرًا.
ما محتاجين لمعجزة… محتاجين ذاكرة نظيفة وقلوب عامرة بالتسامح.
النيل ما كان عطشان… كان خايف يبتلع كذبكم وقسوة حربكم.”

سألتها بتول باكية:

“هل غُفر لنا؟”

قالت الشمس:

“الغفران ما هدية… الغفران مجاهدة.
كل من يغسل قلبه بالاعتراف… ويوقف نزيف الدم… يشرب من النيل الجديد.”

ثم ضحكت الشمس ضحكة جعلت النهر يرتجف وينهمر بغزارة.
تحوّل الرماد إلى لآلئ، وامتلأت الشوارع بالماء والضحك.

ركض الأطفال يصيحون:

“النيل رجع! الموية رجعت!”

جلست بتول على الضفة تكتب آخر ما في قلبها:

“كل نهر نبض نقيّ… وكل ضوء توبة متأخّرة.”

ورفعت رأسها فرأت الشمس تضع قلادة من ذهب حول عنق النيل… القلادة التي خلعها يوم جفّ.

عاد يلبسها الآن…
لا رمزًا للهيبة،
بل عهدًا بالصدق، ورخاءً يجيء مع طرد شياطين الفتنة وسافكي الدماء وكهنة الكذب ولصوص الأمان.

ليكون عهدًا جديدًا لأبناء المدينة القديمة…
ولأمّ در التي حضنت وجوه أبنائها الطيبين.

الكاتب مبارك اسماعيل ودحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *