حين صمت المطر
كان العطش يهبط على القرى كظلٍّ يغطّي الروح قبل الأرض. تشقّقت التربة حتى بدا كأنها تخبّئ أنينًا قديمًا، وانكمش العشب في حضن التراب، وخدش صخب المتقاتلون غفلة الآمنين، ومضت الريح تحمل أوزار من أجج أوارها تجرح سكون المدائن بلا رحمة.
في تلك الليلة المائلة للذكريات، جلست الجدة إلى حفيدها “أبو فاطمة”، وعيناها تشبهان بحيرتين جفّ ماؤهما وبقي فيهما اللمعان الأخير. قالت بصوتٍ حنونٍ تتكسّر حوافه مثل ماء يبحث عن مجرى:
«يا وليدي… تومهيل ماها حكاية. تومهيل روح… لما تمرّ، الأرض تقوم واقفة، والقلوب ترجع تسمع بعضها. يوم الناس تبرد مشاعرها ولا نسمع إلا صوت المطر… المطر بصمت. ويوم يدفى القلب… السماء بتتذكّر.»
ومنذ تلك اللحظة، صار أبو فاطمة يعرف أنه لا يسير نحو مكان… بل نحو معنى.
البحث عن الندى
خرج عند الفجر. كان الضوء يمشي قبله كأنه يدله، وكانت الأرض المتشققة تحت قدميه توشوش كمن تتمنى أن تتذكر المطر.
مرّ على قرية تجلس فيها “أم سعاد” معلمة الصف القديمة، قرب ترابٍ ناشف. كانت تخاطب البذور كلامًا يشبه التنهيدة:
«اصبري يا بنيّات… المطر دايمًا بيجي للقلوب اللسه ما يئست من روح الله.»
فتوقف أبو فاطمة لحظة، شعر أن كلماتها تحمل رائحة تومهيل.
وفي المدينة، كان “عامر” يحدّق في النيل من نافذة عالية. بدا النهر ككائنٍ يتظاهر بالثبات، لكنه يختزن أسئلة. قال عامر في سره:
«هل نحن الظمآنين… أم النهر؟»
وحين مرّ أبو فاطمة بالجسر، سمع صوتًا بلا جسد:
«تومهيل تمرّ هنا… تنظّف الغبار من وجوه العابرين.»
كان كل صوت يضيف لرحلته غموضًا كالندى حين يترك أثره ولا يُرى.
شظايا من ضوءها
في أطراف المدينة، شاهد “إسحاق” يقف في وجه إعصارٍ ينهش أطراف حقله. كان يناجي الريح:
«يا بنت الغيم الماطر… نحنا غرباء زيك. لو تعبتي، ارتاحي فوق سواعد المروق البنت بيوت التعب.. وامسحي منديلك علي شغاف خيامنا.»
وحدث شيء غريب: هدأت الريح لحظة، كأنها تضع رأسها على كتفه. شعر أبو فاطمة بالرجفة… تلك الهدأة تشبه توقيع تومهيل.
وعلى جسر الحديد، كانت “سماهر” تكتب:
«الأنهار تعود لنفسها، فهل تعود القلوب؟»
اقترب منها طفلٌ يبيع المناديل وقال:
«المويه ما بتتعب… بس الناس ملهوفة من العطش.»
سمعها أبو فاطمة، فعرف أن الكلمات حين تُولد صادقة تتحول إلى خطواتٍ جديدة على الطريق.
وفي الضاحية، سكبت “أم سعاد” آخر ما تبقى من ماء على التراب. قالت:
«يا تومهيل… إن كان في رحمتك قطرة، اجعليها طريقًا للحياة.»
وفي الليل، بدا الطين كأنه يتنفس من جديد.
حين تجلّت للمطر
حين وصل أبو فاطمة إلى آخر الأفق، حيث يختلط الغبار بالمسافات، وجد نايًا من طين على حجرٍ وحيد. رفعه، فاهتزت في داخله نغمة ليست من الريح ولا من البشر:
«الماء لا يصير نهرًا… إلا حين يجد حضنًا يعود إليه.»
شعر أن الكلمات تمشي داخله كالضوء.
تومهيل لم تكن امرأة تختبئ في غياب. كانت ذاكرة، ودفئًا، وأثرًا. كانت الجزء الذي يضيء في الإنسان حين يتذكر الآخر.
في تلك اللحظة، تفتّح الغيم كأن السماء انفردت بابتسامة، وهبطت أول قطرة بملمس الحنان.
وقالت تومهيل تخاطب الساعي وراءها كمخبر:
«أما زلت تبحث عني، كما يبحث ضال عن نجمة؟»
ورد عليها أبو فاطمة:
«وأنت لازلت تشتاقين دوزنة الشوق كلون الشفق حين تذوب شعاعاته عند شروق الصباح؟»
حين نهضت الأرض
أم سعاد فتحت بابها على صوت المطر، وقالت بصوتٍ يشبه سجدة:
«الحمد لله… رجعت الروح.»
ثم ناجت تومهيل قائلة:
«يا أبنة الغيوم والحريق، يا من تمرين علي شفاه الصغار كطعم البعث، ليتسع صدرك للحمقى وقتلة وعد الخصب.»
“عامر” ترك نافذته، وخرج يشعر أن المدينة تغسل قلبها لا شوارعها من دم الخيانة!.
إسحاق رأى غصنًا صغيرًا يقاوم بعد العاصفة، فربت عليه كأنه طفلٌ نجى، ثم يحلم بحصاد يسد رمق الناجين.
سماهر رفعت دفترها للمطر، فانتشرت الكلمات كطيورٍ رغم البلل، وعرفت أن الكتابة أحيانًا شكلٌ من أشكال الدعاء ومناجاة المطر.
أم سعاد وجدت بجوار الإناء نبتةً تشقّ التراب مثل ابتسامة خرجت من الأرض.
أما أبو فاطمة، فوقف تحت المطر بلا خوف. كان يشعر أن كل قطرة تناديه باسمه.
الحقيقة التي ولدت من المطر
عادت الخضرة إلى صدر الأرض. عادت الأغاني القديمة تُقال في الطرقات، وصرير أنين السواقي يعيد رسم أرض بالكاد تلتئم حرائقها، وتلملم بقايا يقطينها ووحشة الجوعى.
عاد اسم “تومهيل” يرفرف كنسمة فوق القرى.
قال البعض: «هي روح المطر.»
وقال آخرون: «هي ذاكرة الأرض.»
لكن أم سعاد (معلمة الصف القديمة) جمعت الأطفال من حولها وقالت بصوتٍ فيه حكمة السنين:
«تومهيل… هي لما نسمع صوت بعض قبل ما يرتفع صوت الجوع والعطش وضجيج البنادق، وتقيف بيناتنا طلقة ووجوه حاقدة وكريهة، تبدد سماحة المطر!
لكن يا أولادي، لما تصفى القلوب… ونشوف بعض: منو العطشان؟ منو الجائع؟ منو الكسرته الحرب دي؟
ولو ما سوينا كدا… تومهيل روح. المطر بتنسانا… وبجف الضرع وييبس ترابنا… ولو رضِت، السماء تفتح أبوابا.»
ثم رفعت رأسها نحو الغيم المضيء وأضافت:
«وتومهيل الليلة… رجعت. شايفين الأرض بقت تشرب… ونحن رجعنا نسمع بعض وتصـيح كل الحناجر زي زمان، لما نقيف في طابور الصباح ونحيّ العلم:
نحن جند الله جند الوطن
إن دعا داعي الفداء لن نهن…
يا بني السودان هذا رمزكم
يحمل العزة ويحمي أرضكم…»
النهاية
الكاتب مبارك إسماعيل ودحمد