المرآة قصة قصيرة –للكاتب علي البدر

في صباحٍ هادئ، وقفتُ أمام المرآة، وسط سكونٍ يتردّد صداه في المكان.
قالت لي، بصوتٍ لا يشبه الأصوات بل يشبه استفاقةَ القلب:
“ما عُدتَ أنتَ الذي عرفته… مَن أنت اليوم؟”

حدّقتُ في انعكاسي، وقلتُ بصوتٍ خافت:
“أبحث عن ظلّي بين الزوايا، عن ضوءٍ يختبئ في الليل الطويل،
عن نهرٍ يتدفق في عروق الذاكرة،
عن صدىً لم أسمعه بعد.”

ابتسمتْ ابتسامةً رقيقة تشبه مرور النسيم، وقالت:
“لم تعد الملامحُ وحدها تعرّفك.
التجاعيدُ ليست ندوبًا، بل خرائطُ الزمن…
والحزنُ مَعْلَمٌ على الطريق.”

قلتُ لها:
“أخاف أن أفقدَ نفسي في انعكاسك.”

فهمستْ:
“أنت فيّ، وأنا فيك.
تجد نفسَك حين تراسل صمتك،
وحين تسمح للضوء أن يُولَد من الظلال.”

سألتُها:
“وهل سأعرف الطريق؟”

تنهدت وقالت:
“كالشمسِ تمرُّ عبر الغيوم.
الطريقُ ينبع من داخلك،
من كل نهرٍ، كل موجة،
وكل خفقةِ قلبٍ لم تُسمَع بعد.”

تحدثنا عن الزمن، عن سنواتٍ مضت وذكرياتٍ حملتها الرياح، وعن المستقبل، عن أحلامٍ لم تولد بعد.
وقالت:
“الزمن ليس عدوًا… بل مرشدًا.
يحفظ لك كلَّ ما مرّ،
ويعلمك كيف تصنع من الآن ما تريد له أن يكون.”

ثم هدأت، وكأنها تراقب نفسي تتفتح:

الضوءُ والظلُّ معًا،
النهرُ والريح،
التجاعيدُ والحنين…
وأنت الحبُّ الذي يزرعُ نفسَه في كل انعكاس.

خرجتُ من أمامها وأنا أشعر أنني امتلكتُ شيئًا لم أمتلكه من قبل:
سلامًا مع نفسي،
وقدرةً على الحب بلا حدود،
وجرأةً أن أكون نورًا في الظلام،
وشجاعةً لتقبّل كل انعكاس يعلّمني شيئًا جديدًا.

ومنذ ذلك اليوم، صار كلُّ صباحٍ رحلةً،
وكلُّ مساءٍ حديثًا صامتًا مع المرآة.

رحلةٌ سرمدية لا تنتهي:

نورٌ وظلال،
نهرٌ وريح،
حبٌّ وحنين…

وأنا أعيش، أضيء، وأكتشف نفسي مع كل انعكاس.
وأتعلم كيف أكون،
كيف أرى العالم،
كيف أحب الحياة،
وأزرع الابتسامة،
وأمسح دمعة اليتيم،
وأبني وطنًا مليئًا بالأمل والحب والرحمة،
وأترك الضوء يولد متلألئًا من العتمة.

الكاتب علي البدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *