يا ملازمي،
دعنا، يا ملازمي، في فجرِ هذا الشِّتا نبوحْ؛
فما نصفُ قرنٍ مضى…
إلّا أنا وأنتَ:
نشوةٌ تتوهّجُ في كَفِّ الأسرار،
وتلسعُها جمراتُ سُدانِنا العبقِ.
وِرْدُنا معًا ينابيعَ وجبالًا
ترفعُ أسرارَها حتى لامَسَتْ جبينَ الغيوم؛
وشربْنا من نهرينِ يجريانِ قبلَ الوجود،
ينبضانِ في حنايا وخفايا الخلق؛
نهرانِ سقايانا من أزليةِ البَدءِ والنشوء.
ومن خَفَواتِ ما خَبَا من وَمَضي،
وممّا مضى مِن صفحاتِ كِتابي
حينما صَدحَ يشهقُ بالحرفِ،
وصدى نايٍ يكادُ يشقُّ صمتَ كوني الذي ما زال يدوي.
حتى إذا تهاوت كأسُ المرارة،
وانكسرت بقايا السُّرور على مقابرِ الوجع،
احتسينا الأنينَ والخمر،
والقُبَلَ التي أبقتْ مساءاتي من الانكسارِ والنسيان،
كأننا نذوقُ ما ينبغي أن يُبكى وما يجبُ أن يُحفَى.
حتى استوينا في دُجى الظُّلَماءِ،
وتكثّفت عتمةُ الصراط،
فابتلعتْ هفوةَ الخطوات؛
غارقَيْنِ في دهشةِ الطريقِ المُزدحِم.
ومن نورِ رحلتنا،
انفلقتْ لي ضفّةٌ كانت تنتظرني،
فمضيتُ إليها بزحفٍ،
أصغي لبيانِ لحظةِ الميقات،
كأنها الهمسُ الأوّلُ حين خُلِقَ النداء
وبُعِثَ رداءُ الأزمان.
وأنتَ، يا ملازمي،
ما برحتَ تبتسمُ في بعثراتِ الطريق،
وكأنك لم تُفارقني قطُّ طرفةَ عينٍ
حين ممشايَ ومشياتي.
الكاتب ماهر كمال خليل