لقد قتلتني كلمة وأعادتني للحياة كلمة
كان قليلَ التواجد في المنزل، قليل الحديث، دائمَ الاختفاء.
سريعَ النبض والحركة، مبهَمَ السيرة، لم أعرف له طريقًا ولا وجهة.
أتذكّر أنه، قبل خروجه إلى أصدقائه أو إلى عائلته، كان يترك لي رسالة؛
لم تكن مكتوبة بحروف، بل بعيونٍ تحمل معاني مبهمة.
كانت تقول: «ألفِظك»…
لكن ليس قبل أن يهدم كياني.
كان ينظر بتحدٍّ إلى ردائي الأخضر بخفّةٍ جارحة،
كأنّه يمحو جزءًا من نفسي.
رأيته يطفئ نورًا في داخلي،
ورأيتُ نفسي وأنا أتهاوى ببطء.
بدا طبيعيًا أن أفكّر في الفرار،
لكنني انشغلت أكثر بذلك السبب الغامض
الذي يجعله يفرّ منّي، ولا يراني.
انصرمت سنوات العمر على رصيف جدالاته،
وأنا أغوص في أعماقي بحثًا عن جواب،
من دون أن أدرك نظّارته السوداء
التي كانت تحجبني عنه… وتحجبني عن نفسي.
ثم جاءت لحظة الإدراك.
على يد كائنة لطيفة،
ابنة صديقتي…
كانت المُنقذ البريء.
صادفتها برفقة والدتها في أحد الطرقات بعد غيابٍ طويل.
تأمّلت الفتاة ملامحي طويلًا،
كأنها تكتشف شيئًا يبهرها،
ثم أطلقت كلمات إطراء لم أتوقّعها.
خرجت الكلمات باندفاعٍ بريء، بلا مقدّمات،
ولم أصدّقها…
لكن نظرتها كانت مشبعة بالصدق،
بحقيقة جمالي وطبيعتي التي سمعت عنها من أمّها.
كانت كلماتها كعطرٍ نُثر حولي،
أيقظني من سباتي،
وأعاد إليّ روحي المفقودة.
براءتها وعفويتها
انتشلتاني من قاعٍ عميق،
لأجد نفسي أخيرًا
أمام مرآةٍ نقيّة.
الكاتبة هانم عطية الصيرفي