تفاعل الفلسطينيين والعرب مع مقتلة غزة، يشير إلى وجود من يقول: “لا”، وبصوت عال. خاصة إذا جاءت “لا” من خلال الأدب، الذي يبقيها مدوية وخالدة إلى يوم يبعثون. “حسن يافا” يعود بنا إلى الأدب الملتزم بقضايا الأمة، فالكاتب يوثق جرائم الاحتلال وبطولات الفلسطيني. من هنا نجده يتوقف عند محطات وأحداث وشخصيات بارزة: “الطبيب خالد البرش، الدكتورة آلاء النجار، الصحفية فاطمة حسونة، شيرين أبو عاقلة، المناضل وائل البرغوثي”. وكما يتوقف عند بعض العائلات التي أُبيدت على يد جنود الاحتلال.
الاحتلال
الاحتلال أكبر شر على الأرض، على البشر. فالاحتلال عبر التاريخ يحمل المعاناة والألم والقتل والتشرد والاغتصاب والسلب. وبما أننا أمام احتلال استيطاني، فهذا يعني تجميع أكثر من شر، لأنه متعلق باحتلال الأرض والسيطرة عليها، ومحو / إزالة / قتل / تشريد الناس. يقدم لنا الكاتب مشاهد عن هذين الأمرين في مقطع “الفراشة والدبابة الخائفة”:
“أن القضاء على المقاومة في تل الهوى لن يتحقق إلا بمسح كل مبنى فيها عن وجهة الأرض، وقتل أكبر عدد من الناس من رجال ونساء وأطفال” (ص15).
هذا المشهد واقعي ويعطي المتلقي فكرة عن طبيعة الاحتلال وجرائمه.
وينقل لنا حال الناس في ظل المقتلة الصهيونية في “فاطمة حسونة”:
“حرقت قلبها مشاهد الأشلاء والجثث في الشوارع، والأطفال الهائمين على وجوههم دون أهل، والجرحى الذين يحتاج كثير منهم إلى بتر الأطراف بلا تخدير” (ص25).
فمن خلال هذا المشهد يعطينا الكاتب صورة شاملة عن جرائم المحتل الذي يقتل كل شيء، الاحتلال الذي يستند على: “لا تبق فيها نسمة حياة”.
الكاتب يعطينا صورة عامة تشمل حال غزة وأهلها:
“لم يعد هناك وقت للعزاء.. غزة خرجت كي تجد كأس ماء وكي تجمع الأشلاء والشهداء وتسلم الأمانة للسماء” (ص38).
فرغم أن المشاهد خارج عن الواقعية، إلا أنه يعطينا صورة عن طبيعة الاحتلال ووحشيته.
المستشفيات والمرضى والأطباء كانوا أحد أهم الأهداف (العسكرية المشروعة) للاحتلال. في “إبراهيم البرش” يقدم لنا الكاتب صورة عن هذه الاستهدافات:
“اقتحم جيش الاحتلال مستشفى الشفاء، وقتلوا المصابين في الممرات وفي غرف الطوارئ، وفتشوا عليك في غرفة العمليات” (ص44).
فالكاتب هنا يوثق أدبياً جرائم الاحتلال، لتبقى راسخة وحاضرة ودائمة في الذاكرة العربية والعالمية. فوحشية الاحتلال وبربرته ستلاحقه إلى الأبد، وستبقى الذاكرة الإنسانية حافظة لهذه الجرائم.
وعن الجرائم الفردية لجنود الاحتلال ينقل لنا الكاتب مشهداً في: “أنت جائع.. إذاً أنت موجود”:
“اعترف جندي من قوات نحال أنه قتل أما وطفليها… هذا كيف ‘يعالج’ جنود الاحتلال الجوع” (ص85).
وبهذا تكتمل صورة وحشية الجيش، وصورة بربرية الجندي، فكلاهما مجرم ومتوحش.
الفلسطيني
في المقابل نجد صورة الفلسطيني كضحية وكبطل. ففي “الفراشة والدبابة الخائفة” نجد صورة الضحية:
“قتلت عائلات بكاملها، وانتشرت الجثث والأشلاء على الطرقات” (ص16).
رغم وحشية الاحتلال وحجم الإبادة، إلا أن هناك صورة أخرى للفلسطيني، صورة البطل التي نجدها في “فاطمة حسونة”:
“أرادت أن تقاتل، أن تحمل بندقية، أن تقف في وجه الطغيان… وجدت كاميرا… وضعت فيها شريحة ذاكرة وقالت لرفيقتها: هذه هي الرصاصة والكاميرا بندقية، أدافع بها عن نفسي وعن بلدي” (ص25).
اللافت في هذا المشهد فكرة المقاومة، فالفلسطيني يستخدم أية وسيلة تتاح لمقاومة العدو، ولا يقف مكتوف الأيدي، مستسلماً للواقع أو للعدو.
ونجد البطولة حاضرة في الترغيب والترهيب، فعندما تناول الكاتب “إبراهيم البرش” قدمه بهذه الصورة:
“أكثر من مستشفى في الخليج عرض عليه عقود عمل مغرية، اشتد إلحاحها له بعد الحرب على غزة، لكنه رفضها كلها مقابل قطعة خبز وقطعة جبن وكوب ماء في مستشفى الشفاء، كان يقول: نؤدي الرسالة وأجرنا على الله” (ص42-43).
هذا الموقف ينم على شهامة ونبل وإخلاص ووفاء “إبراهيم البرش” الذي باع الدنيا مقابل الآخرة، باع وترك المال مقابل شعبه / أهله.
العرب
أثر مظلومية الفلسطيني امتد إلى الأقطار العربية، فالشعوب العربية تنحاز للفلسطيني وتقف إلى جانبه، بينما الأنظمة الرسمية في واد آخر، تقف مع العدو. يقدم لنا الكاتب هاتين المتناقضتين في: “عائشة، لقمة الخبز.. وفلسطين” التي يتحدث فيها عن رحلته إلى المغرب:
“نحن نحب فلسطين جداً، ونتألم كثيراً لأجل شعبها، ونخرج في المظاهرات، والشعب يحب القدس وفلسطين وغزة” (ص67).
هذا حال الشعب المغربي. أما عن حال الأنظمة فنجدها في “نائل، أربعة وأربعون عاماً في سجون الاحتلال”:
“عبر بك باص إلى مصر، مصر كانت نائمة على رغيف خبز تحت قدم السلطان… مستورة في قميص نوم ممزق… كانت السماء السوداء تنتظر ظهور الهلال، كي يصوم الناس عن الأكل وعن سماع أخبار غزة” (ص79).
نلاحظ أن الكاتب يستخدم الإيحاء / الإشارة وليس المباشرة، وكأنه بها يحاول التخفيف – قدر المستطاع – على القارئ. فمصر القريبة من فلسطين كنا نتوقع منها الكثير، لكنها كانت…
في المقابل نجده يستخدم المباشرة والوضوح حينما تناول دول الخليج النفطي. نجد ذلك في “قصة مدينتين في رمضان”:
“في المدينة الضالة، الرياض، يستيقظ ‘المسلمون’ قبل غروب الشمس على رائحة المندي أو المناسف، أو المحاشي التي حضرتها الخادمات السريلانكيات والفلبينيات اللاتي استقطبتهن أموال النفط من مختلف بلاد القحط.. وبعد أن يتم بأمان الله الالتهام والتخزين ينطلق ‘المسلمون’ إلى محال الحلويات والمقاهي ليستمتع المجتمعون بالأرجيلة وأخيراً بوجبات السحور… ثم يبدأ نوم اليوم وما يزور الأحلام من عناء الصوم” (ص132).
يعود التباين بين الموقفين، لطبيعة العلاقة بين فلسطين ومصر، وفلسطين ودول الخليج. فوجع مصر أشد وقعاً علينا، لهذا ارتأى الكاتب أن يستخدم الإيحاء. بينما في دول الخليج، المعروفة بمواقفها المعادية لكل ما هو قومي ووطني، فلم يجد (إحراجاً) في الحديث عنها مباشرة وبوضوح.
الشكل والمضمون
مضمون / المادة التي يحملها الكتاب مؤلمة للقارئ، وهذا ما يجعله كتاباً قاسياً، مؤلماً. لكن، الكاتب الجيد هو الذي يجد مخارج / طرق / أشكالاً أدبية يسهل على المتلقي تناول الكتاب بأقل الأضرار النفسية. من هذه الأشكال / الأساليب كان تعدد أشكال (السرد)، فمرة نجدها من خلال السرد الخارجي وهو الشكل الغالب في الكتاب، ومرة من خلال “أنت” المخاطب: “نائل أربعة وأربعين عاماً في سجون الاحتلال، أيها العيد .. لماذا أتيت مرة أخرى”، ومرة من خلال “أنا” السارد: “عائشة لقمة الخبز.. وفلسطين، الرغيفة الخالية والرغيف العامر”. كما نجد في “قتلوا سعاد أيها العيد السعيد” شكل القصيدة.
كما نجده يستخدم الفانتازيا في “الفراشة والدبابة الخائفة”، حيث يلجأ الكاتب إلى أدب الأطفال الذين يستطيعون مخاطبة ومحاورة كل شيء:
“سألت هند الفراشة، لماذا أنت حزينة؟
– لأن جبل الحديد أكل موسم الربيع
– كيف؟
دهس حقل الورد وزهور اللوز
…وأنت يا هند لماذا أنت حزينة؟
– لأن الدبابة جعلت أهلي ميتين.
– الدبابة؟
– جبل الحديد الذي يتقدم نحوي.. اسمه في لغة البشر دبابة” (ص19-20).
أهمية هذا الأسلوب الأدبي في قدرته على إيصال الفكرة للقارئ بأقل الأضرار النفسية، كما أنه يعمق الفكرة ويرسخها في ذهن القارئ، من مضمون الحوار، ومن خلال شكل الحوار: طفلة وفراشة.
يضاف إلى ذلك وجود مجموعة صور أدبية خففت من حدة قتامة الأحداث:
“سقطت شيرين على جنبها، وكأنها تسجد لهذه الأرض لآخر مرة.
كانت الساعة السادسة وست وعشرون دقيقة صباحاً تواصل وابل الرصاص نحوها كأنما يتراقص حول صيده الثمين.
أما الشمس فواصلت ارتفاعها فوق سهل مرج بن عامر تجفف الندى عن جفون السنابل” (ص54).
نلاحظ طول الصورة واتساعها، فالكاتب يعي أنه يقدم حدثاً في غاية الألم – مقتل شيرين – فأراد التخفيف / إزالة القسوة من خلال الصورة الأدبية.
كما نجد الكاتب يستخدم البساطة في تقديم الحدث، فعندما تناول استشهاد عائلة “الدكتورة آلاء النجار” استخدم حواراً بسيطاً عن الحدث:
“قال أحد الناس: أنهم يموتون
أجابه آخر: شهداء عند ربهم يرزقون” (ص101).
فرغم بساطة الحوار، إلا أن المتلقي يجد فيه الإيمان الراسخ، من خلال الفكرة المشهد، ومن خلال الآية القرآنية.
وإذا علمنا أن هناك صورة فوتوغرافية تسبق الفصل المراد تناوله، نكون أمام أكثر من شكل وطريقة وأسلوب يسهل على المتلقي الوصول إلى مضمون الكتاب، وهذا ما سهل ورسخ فكرة / مضمون الكتاب فيه.
الكتاب من منشورات دارة الرعاة للدراسات والنشر، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2025.