كان صوته يتدلّى من الهاتف كخيط ضوءٍ رفيع في آخر النفق.
همس بصوت دافئ، وكأنه يضع على الكلمات معطفًا من طمأنينة:
“لا تقلقي… لن أتأخر.”
ثم أغلق الخط برفق، كما تُغلق نافذة على حلمٍ لا يريد أن يستيقظ.
في مكتبه، كانت الساعة تُزمجر بصمتٍ ثقيل، لكنه لم يلتفت إليها. ارتدى معطفه، وخرج إلى المدينة التي بدت له، في تلك الليلة، أكثر اتساعًا من المعتاد… كأن الشوارع تمدّ أطرافها لتختبر صبره. مرّ بمحلاتٍ تغصّ بالأضواء، توقّف أمام واجهة تتدلّى فيها الهدايا كنجومٍ صغيرة مؤجّلة الفرح. اختار علبةً تلمع بلونِ الذاكرة، وربط حولها شريطًا أحمر يشبه أثر قبلةٍ قديمة.
في محلّ الورود، اختار باقةً بيضاء، وكأنّه يختار قطعةً من الغيم. دسّ أنفه فيها، فاجتاحه عطرها مثل يدٍ خفيّةٍ تسحبُه إلى زمنٍ آخر… إلى ضحكةٍ تركض في حدائق الذكرى؛ تسمعها فتشعر بها كنسمةٍ قديمة تعرف طريقها إلى قلبك. صوتٌ مبلّل بالحنين، وعشقٌ لم تنته قصته بعد.
في طريق العودة، تكاثرت العوائق كما تتكاثر الأسئلة في رأس عاشقٍ يسابق الزمن إلى لحظةٍ يخشى أن تفلت، إلى قلبٍ ينتظره بتوقٍ يُوازي اشتياقه، إلى لقاءٍ يريد له أن يحدث الآن… قبل أن يتدخّل الزمن من جديد.
ضوء الإشارة يطول أكثر من اللازم، المطر يبدأ بنقر زجاج السيارة كأصابع قَلِقة، والريح تعبث بأطراف المعطف كمن يحاول أن يوقظه من غيبوبةٍ اختيارية.
“ترى هل ستعجبها هديتي هذا العام؟”
“أيّ الأطباق أعدّ لها هذه المرّة؟”
وهل؟ .. وكيف؟ .. ومتى؟
“أفٍ لهذا الطريق لا يريد أن ينتهي!”
أدار المفتاح في القفل، ولج بخفّة مشوبةٍ بلهفة. صمتٌ كثيفٌ يقبع في الأرجاء، لكنه سمع وقع خطواتٍ ناعمة. ابتسم، أشعل الشموع واحدةً تلو الأخرى، فانكمشت الظلال ثم تمدّدت راقصةً على الحائط. فرش الطاولة بعناية زائدة، كمن يرتّب لقاءً مع قدرٍ جميل، لقاءً مع الحلم حين يتجسّد، مع حضورٍ لا يُخطئه القلب. وطقسًا يتكرّر كل عام، كصلاةٍ سرّية لا يعترف بها أحد سواه. وضع الباقة في منتصفها، فمالت الرؤوس البيضاء كما لو أنها تلقي تحيّة المساء.
أسرع بتشغيل جهاز الكومبيوتر على قصصهما المحفورة في ذاكرته، بدأت الموسيقى تنساب ببطء، تنفلت كحنينٍ مذاب. رفع رأسه نحو الدرج، ها هي هناك… تتشكّل من الضوء، تتهادى في أجمل حلّة، عيناها تسبقان خطاها، وابتسامتها تفتح الأبواب القديمة التي ما فتئ يطرقها.
مدّ يده نحوها، فالتقت كفّاه بكفٍّ دافئ ينبض بالحياة. دار معها، خطوةً فخطوة، كأن العالم ينسحب من تحتهما ليترك لهما هذا المدار وحده. كانت الأرض تتلاشى تحت قدميه، ولم يبقَ سوى إيقاع قلبين يتجاوبان. همس لها بما ادّخره العمر كلّه؛ أن حبه لن يشيخ، وأن الوعد ما زال غضًّا كما كان، وأنه لن يتخلّى عنها، مهما باعدت بينهما الطرق، فبعض القرب لا تقطعه المسافات.
جلس إلى الطاولة، رفع كأسه في مواجهة كرسيها، ثم ارتشف ببطء، وكأنه يتذوّق العمر قطرةً قطرة. ظلّ يحدّق في الفراغ الذي كان مليئًا بها أكثر من أي وقتٍ مضى.
الكاتبة سمية الإسماعيل