كانت أغصان أشجار التنّوب في الغابة تتمايل مع نسمات الهواء الباردة، فيتعالى صدى صوت حفيف أوراقها، مؤلفاً نغمات ناعمة، تبعث السكينة والطمأنينة في سكان الغابة.
حتى الليلة التي جاء فيها الصياد وابنه، مزَّق سكون الغابة طلقة من بارودة صيد، أطلقها الصبي على عش عائلة البومة التي تعيش في تجويف شجرة معمّرة من أشجار التنّوب، فسقط فرخان صغيران على الأرض مضرّجين بدمائهما، أما الأم فطارت وتمكنت من الفرار.
شعر الصبي بنوع من النشوة، لأنه أصاب الصغيرين، واستمتع بمشاهدة الفرخ وهو يسقط، ويرفرف بجناحيه لافظاً أنفاسه الأخيرة.
أثار منظر الدم غريزة القتل الموجودة في داخله، أما الأب فأصبح مزهواً بنفسه، لأن ابنه بطلقة واحدة أسقط الفرخين، متناسياً أن الطلقة الواحدة تحتوي على عشرات كرات الخردق، وأن إسقاطهما لا يحتاج إلى صياد بارع.
طارت البومة الأم، وحطت على غصن شجرة قريبة، تراقب المشهد وهي تنعق وتبكي جزعاً على ولديها. لقد عاشت عائلة البوم لأجيال في هذه الغابة بسلام، حتى جاء الصياد جالباً معه الموت. أيقظ هذا المنظر في داخلها كل حقد العالم، ولم تعد مجرد مخلوق من اللحم والدم، لقد أصبحت وعاءً للانتقام.
لم يعرف الأب في لحظتها أن البومة التي ذبح عائلتها هي من جنس البومة الفرعونية، وهي واحدة من أكبر أنواع البوم حجماً، وتمتلك مخالب قوية وسمعاً حاداً وقدرة على التخفي، ما يجعلها صياداً ماهراً وقوياً للغاية، وتدرج تحت فصيلة البومات العقابية، بسبب قوتها وشراستها، وهي قادرة على افتراس الثعالب والغزلان الصغيرة، إنها آلة قتل مثالية في الظلام بسبب مخالبها القوية.
بالنهاية، وصل الصياد وابنه إلى أطراف الغابة، والبومة تتابع تحركاتهما ولا تفارقهما، ثم أخذا الطريق الترابي المؤدي إلى قرية أفقا من قضاء كسروان في جبل لبنان، ثم دلفا إلى حارة ضيقة معتمة، ولم تتركهما حتى شاهدتهما يدخلان بيتاً صغيراً، له جدران بيضاء وسقف آجري أحمر، لقد حددت في هذه اللحظة مكانهما، ولم يبق عليها سوى أن تعد الخطة للانتقام.
مضى يومان والبومة تراقب من على غصن عالٍ بيت الصياد، حتى جاء صباح اليوم الثالث، عندما خرج الصبي في الصباح وحده للذهاب إلى مدرسته. اتسع بؤبؤ عينيها الصفراوين، وسحبت جناحيها قريباً من جسمها، وخفضت رأسها، ومالت بجسمها إلى الأمام، وانقضَّت بانسيابية وبسرعة كبيرة على الصبي، وغرزت مخالبها الحادة في فروة رأسه، محاولةً أن ترفعه إلى الأعلى، إلا أن وزن الصبي كان أثقل بكثير من قدراتها.
لما عجزت عن رفعه، بدأت تغرز منقارها البرتقالي المعكوف في فروة رأسه بتكرار، وأخذ الصبي يصرخ من الألم، محاولاً أن يغطي رأسه بيديه، ليدفعها إلى الفرار، لكن هذه الحركة لم تزد البومة إلا قسوةً وضراوةً، إذ لا هم لها الآن إلا أن تنشب مخالبها في رأس الولد، وتنقر فروة رأسه حتى يفارق الحياة ثأراً لصغارها.
بالمصادفة ولحسن حظ الصبي، مرّ رجل على دراجته بالقرب من هذا المنظر، فانتزع المنفاخ اليدوي الصغير المحمول على الدراجة، وضرب به البومة، شعرت البومة بألم لا يطاق من هذه الضربة التي كسرت عظم فخذها، فطارت مبتعدة عن هذا الدخيل، وهي تنعق من شدة الألم.
نقل الرجلُ الصبيَّ إلى مستوصف القرية، حيث قُدِّمت الإسعافات الأولية بتنظيف الجروح، ووُضِع كريم مضاد حيوي عليها، ثم جرت تغطيتها بضمادة طبية. عندما حضر والد الصبي إلى المستوصف، تصور أن عقاباً صغيراً قد هاجم ابنه، إنها رسالة نذير شؤم أرسلتها شياطين الغابة إلى ابنه، لأنه قتل فرخي البومة المشعوذة. فكَّر بأن عليه فوراً أن يتصل بأحد الكهنة في الضيعة، ليمنع النحس والكوارث التي قد تنتظر عائلته في المستقبل من لعنة هذه البومة.
طارت البومة الجريحة، وحطت على الغصن العالي نفسه الذي كانت تراقب منه بيت الصياد، إنها تشعر بالتعب والإنهاك، وتعرف أنه بعد أن انكسر عظم فخذها، أصبحت أيامها معدودة، لقد فشلت بأخذها بثأر ولديها، تذكرت أن الطريقة الوحيدة الباقية أمامها، هي أن تقلد ما تفعله الحدأة في الغابة، تأخذ عوداً مشتعلاً من مكان ما، وتلقي به بين الحشائش الجافة بالغابة، فتولع النار فيها، ثم تتمدد إلى الأشجار وتشتعل الغابة.
هدف الحدأة من انتشار الحريق، هو أن صغار الحيوانات لن تتمكن من الفرار أمام النيران المتصاعدة، وعندما تتحول الأشجار إلى رماد، تلتهم الحدأة الحيوانات المشوية.
تحاملت البومة على نفسها، أخذت تطير فوق المنطقة، تبحث عن مخيم للصيادين، قد أشعلوا فيه بعض جذوع الشجر وأغصاناً صغيرة من أجل التدفئة وتسخين طعامهم، لكنها لم تشاهد مخيماً واحداً خلال طيرانها لنحو خمس ساعات، كان هدفها أن تحمل غصناً مشتعلاً وتلقي به على بيت الصياد الفاجر.
حاولت الاستمرار بالطيران، لكنها لم تعد تسيطر على جناحيها، شعرت بالضعف الشديد، استقرت على أحد الأغصان، تذكرت أيام ما كانت تطير بحرية لساعات طويلة بين الأشجار، تنعق مستمتعة بجمال الطبيعة والسماء، حتى جاءت ليلة الصياد.
جربت أن تطير من جديد، لكنها لم تستطع، فالألم شديد لا يحتمل، أحسّت بالإرهاق، ولم يعد لديها القوة للقيام بأي حركة، الأملُ في قلبها للانتقام بدأ يتلاشى، أدركت أنها قد انتهت، نظرت للمرة الأخيرة إلى أشجار التنّوب العالية، متوسلةً إليها بأن تنزل لعنة الغابة على الصياد وابنه، ثم أغمضت عينيها مستسلمةً للموت.
الكاتب أمين الساطي