“العنوان: اللصقة”
مفردة مختزلة جامعة لعدة معاجم ومنتشرة بين عدة لهجات عربية، قدمها لنا الكاتب بين طيات منثوره كما اتفق عليها العوام.
كناية عن الشخص اللصوق الذي يحشر نفسه في أي مكان أو مجال بدافع الفضول أو التسول المادي أو المعنوي.
والعنوان يعالج ظاهرة اجتماعية ممتدة في الزمان ترجع بنا إلى مغامرات أبي الفتح الإسكندري في جانبها الهزلي والنقدي والاجتماعي والأخلاقي…
يتجول السارد ببطله في مكان مفتوح ممتد تارة وفي أماكن مغلقة طوراً، ليرسم مشروع بطله التراجيدي فنلهث مشفقين عليه نتضور معه جوعاً حتى كاد يجعل الجوع شخصية تتقاسم البطولة مع عبد الله، بل تصبح مفردة اللصقة قرينة لها. فالجوع هو لصقة البطل، والبطل لصقة رفاقه…
تتوزع الأدوار في القصة على نحو متوازٍ برسم خطين متوازيين للأحداث، حيث البطل يتسول المال والزاد منفرداً بين الرفاق فلا يجد من يجود مجدداً لكثرة ممارسته لهذا السلوك الاستعطافي الاستغلالي…
بينما في الخط القصصي الموازي ترفض ثلة الرفاق تلبية الحاجة وسد النقص المادي بشيء من الإذلال والإحراج يصل حد الطرد أو التقريع أو التحقير…
في ثنائية ثانية يرسم القاص صراعاً مريراً بين الكرامة والذل يعيشهما البطل لحظة التسول والجوع، فيحاول كل مرة أن ينتصر لأنفته وعزته ولكنه يتقهقر أمام زقزقة عصافير الجوع في أحشائه. وقد صور ذلك في التجائه إلى صديقته “انتصار” التي لفظته وصديقاتها بشكل مهين…
تكررت الخيبات حتى شاهدنا المهانة تتجسد بين ثنايا المشاهد في كل فصل من فصول الطلب والتلصق.
يبلغ التوتر ذروته وينجح في استعطاف القارئ، لكن التكرار والإسهاب وصفاً وكتابة ومعجماً جعلنا نكاد نشمئز من الشخصية وسلبيتها، لولا إشراقة الحل الأخلاقي الرادع المقنع في مفاجأة مشوقة لقارئ أوشك أن يمل المتابعة…
يحضر الأب كمنقذ لأحلام الابن المثقف الشاعر الجائع المنهار أخلاقياً وصحياً ونفسياً.
على حافة الاستسلام يظهر الأب رمز الأصالة والتجذر ليقول: كلما كانت الجذور متينة متأصلة متجذرة لا خوف من الهزيمة على حلبة الصراع، ليظل الشاعر والمشاعر والنبل والقيم في حصن منيع.
التشبث بالمبادئ انتصر أمام مغريات المال حيث قاوم مغريات الاتجار في الممنوعات بكل أنواعها.
رسائل كثيرة بعث بها الكاتب لقرائه في ثنايا الرحلة العبدلية من الريف إلى المدينة، بين أثرياء المال فقراء الأخلاق والقيم، لتكون رحلة الإنسان في أي زمان ومكان…
فالمصاعب ديدن الحلم البشري، والفوز لا يحلو بالكسب السهل.
اللغة متينة مبلغة للمقاصد سلسة، اعتمد فيها التكرار والإسهاب ليجعل قارئه يعايش المشهد، حتى أننا ننسى أننا أمام قصة قصيرة لنصنفها ضمن خانة القصة الطويلة التقليدية كما انتشرت في القرن الماضي مع الكتاب العرب أو غيرهم.
نجح القاص في توحيد مشهد الطالب الجامعي في البلدان العربية، وما يعانيه من حاجة وعوز وعزة وشموخ…
صورة تنقل واقع الجيل الرائد للثقافة والأدب العربي في صراعه ضد الجهل والفقر والأخلاق…
بورك القلم المبدع.
الكاتبة سيدة بن جازية