صابرين؛ ويا لها من صابرة!
يقولون أن كل ذي عاهة جبار؛ فيا لها من متجبرة!
من أصعب الكتابات السردية إخراجًا هي الكتابة النفسية بلا أدنى شك عندي وعند غيري من الأدباء؛ الكتابة عن النفس البشرية كالنفس البشرية ذاتها؛ طريقٌ محفوف بالمخاطر؛ ألم يقل الله فيها وعنها: ((ونفسٍ وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها)) الآية.
بالطبع لسنا ملائكة فلا نخطئ، كذلك لسنا شياطين فلا نصيب، إنما نحن بشر نخطئ ونصيب، والناج منا من يتغلب بصبره على بلواه، على شهواته؛ إلا ما قُدر عليه منها، والله غفور رحيم.
في خضم هذه الرواية، وعبر صفحاتها المتعدية للثلامئة وخمسين صفحة؛ يسبح بين أمواج سطورها عدة نماذج بشرية، أو لنقل عدة نفوس بشرية، يحمل كل منها بين أضلعه همًا؛ همٌ يجابهه إن سرًا أو جهرًا.
صابرين تواجه إعاقتها المادية سرًا، وأبوها مثلها، وجدتها بين بين. وعلى الطرف الآخر فرح تواجه إعاقتها النفسية جهرًا، وكذلك أهلها. وكاتبتنا كان لزامًا عليها أن تجابه بطلتي قصتها (صابرين البطلة وفرح اللاحقة) سرًا، وذلك بتدخلها كراوٍ للحدث والأحداث، وجهرًا بأن تترك حديث النفس لكليهما يتسيد الموقف، وفعلت…
نعم نجحت الكاتبة في طهي هذه التوليفة الحارة إلى حدٍ كبير وليس إلى حدٍ كامل، كما سأوضح فيما بعد، وأتفهم أسبابها الدافعة عن قصد أو بدون قصد.
بطلة القصة صابرين؛ تلك الفتاة المعاقة جسديًا؛ المستنيرة فكريًا، المتزنة ظاهريًا، المجاهدة المقاومة البطلة باطنيًا.
صابرين تعوض إعاقتها بما يدفع بها إلى الارتقاء والسمو، رغم النقص الحاد في وظائفها الحركية، لتستعيض عنها بتحفيز ذهني؛ هذا في ظاهر الأمر، بينما داخلها النفسي يشتعل جمرات وجمرات وجمرات، لكنها أبت أن تستسلم.
وهذا المنحى الصراعي يقودنا لأول خيط من خيوط الكتابة الانفعالية؛ وأقصد بها تأثر المبدع بصنيعه الإبداعي المتخيل؛ أتذكرون أسطورة بيجماليون؛ ذلك الذي نحت منحوتة لامرأة ثم ذاب عشقًا لها؛ نفس الشيء حدث هنا في دهاليز فصول الرواية وفقراتها، إذ يتبين للقارئ مدى تأثر المبدعة بصنيعتها صابرين، فأفردت لها ثلثي المساحة الروائية طولًا وعرضًا، بينما تلتها فرح وإعاقتها النفسية (الميل الذكوري / قضية التحول الجنسي) ما يقارب الثلث المتبقي.
رغم أهمية القضية إلا أنها تضاءلت أمام سيطرة صابرين على الكاتبة وفكرها وقلمها!
بل تضاءل كل شيء تقريباً أمام شدة الانفعال العاطفي الإنساني تجاه المعوقة ماديًا، أو كما يُستحب أن يقال عنهم ذوي الاحتياجات الخاصة، تضاءل المكان وتضاءل الزمان، تضاءلت الشخوص الثانوية؛ كل هذا تضاءل أمام جبروت صابرين وسحرها الأخاذ الجاذب المفعم بالحيوية والنشاط والفتوة والحركة، رغم سكونها شبه الدائم فوق كرسي مدولب!
سألت نفسي وأنا أقرأ: ماذا لو اتخذت الكاتبة تقنية تعدد الرواة بدلاً من اتخاذها تقنية الراوي العليم التي صيغت بها أحداث الرواية؟
وسألت نفسي أيضًا.. ما ضرورة أن تفقد فرح عذريتها راضية تمام الرضا؟
ولنا في مجريات البث المنشود ما ننتطره من أسئلة أخرى وإجابات إن شاء الله.
مبارك لك أستاذتنا الأديبة حبيبة المحرزي القديرة هذا المنجز وما سبقه من منجزات إبداعية.
الأديب محمد البنا