رحمٌ جديدٌ للحياة
لم أحتج إلى قبرٍ كي أموت..
ولا إلى جنازةٍ كي أُدفن..
فقط أموت وأنا أبتسم في وجوهٍ لا تتأثر..
وأضحك بينما تتهاوى داخلي مدنٌ من الضوء..
كان موتي بطيئًا.. خفيفًا كالمطر.
يبدأ بنبضٍ يخفت.. وبعينٍ تكف عن الدهشة.
أموت…
حين يعبر النهار من داخلي دون أن يوقظ شيئًا..
وحين تلتف لياليًا حولي مثل صدفةٍ بلا لؤلؤ..
أموت…
كلما وضعتُ يدي على قلبي فلا أسمع صوته..
وكلما صرتُ طيفًا لامرأةٍ لم تعد تشبهني..
لم يدرك أحد أني أرحل ببطء..
أطفئ شموعي سرًا وأضيئها في العلن..
أتحرك وسط الزحام كنَفَسٍ خافتٍ في صدر الحياة..
يمرون بي كهمسٍ لا يسمعه أحد..
الآن والآن فقط…
أدرك أن الموت ليس نهايةً..
بل عبورٌ نحو ولادة فجرٍ جديد.
الصمت يلفني…
كأم تحتضن طفلها بعد بكاءٍ طويل..
أغفو في حضنه بلا خوفٍ..
صرتُ كالأرض بعد المطر: تفوح مني رائحة البزوغ..
غصنٌ يئن في صمتٍ يشبه قلبي.. كسرته العاصفة..
ثم علمته كيف ينهض من جديد.
حين ماتت فيّ الأشياء الجميلة.. لم يبكِ أحد.
لكن الصمت ظل ينسج حولي حضنًا خفيًّا..
كم مرةٍ سقطتُ في قاع نفسي.. فانتشلني الله من بين الركام..
اليوم…
حين أنظر خلفي..
أرى أن موتي لم يكن فناءً..
بل بعثًا بملامح هادئة..
كنتُ أظن أن النهاية قاسية..
لكنها كانت رحمًا جديدًا للحياة.
فاتن صبحي
القراءة
لعل أهم ما يميز فن الخاطرة عن باقي أخواتها من الفنون السردية؛ حديث النفس لذاتها؛ وجعها همومها أفراحها أحزانها، رؤيتها الفلسفية (الموت/الفناء/البعث) لواقعها، آمالها وطموحاتها…
وهذه الخاطرة التي نحن بصدد التفاعل معها، نعم التفاعل معها وليس نقدها بالمعنى المجرد للنقد والمتعارف عليه عربيًا وعالميًا، هذه الخاطرة تحمل بين طياتها همًا خفيًا ووجعًا ظاهرًا تتقاطر أنّاته بين دفء السطور، كما تحمل أيضًا فلسفة ما ورائية تجلت فيما بعد الموت من حياة، وإن كانت الصورة مجازية، فالمقصود بالموت في متن الخاطرة هو الانتقال من حالة الحزن وفقدان الثقة في العالم المعاش بشخوصه وتصرفاتهم المسيئة إلى عالمٍ أفضل مغاير؛ بتناسي الهموم وتجاوزها واستيلاد حياة جديدة بعيدة كل البعد عن منغصات الماضي الكئيب.
قال أشرف الخلق أجمعين: “الناس نيامٌ فإذا ما ماتوا انتبهوا”، ومضمون الخاطرة يقترب من هذا المعنى من زاويةٍ ما، فمن منا لم يمر بظروف كهذه الظروف من خيبة أمل وفقدان ثقة ونكبات حياتية؟! ولكن الكيس الفطن هو من يملك الإرادة لتخطيها ونسيانها، بعد وقفة تأملية مع النفس، فالحياة السليمة الصحيحة تولد من رحم قدرتنا على الصبر والصمت حينما يستدعي الأمر صمتًا، ومن ثم وقفة قوية يتخللها تأمل فيما نعيشه ونتعرض له، يعقبها قرار بالانسحاب والتخطي والمضي دون التفاتة للماضي بكل ما فيه ومن فيه.
كما قلت: الوجع ظاهر ظهور الشمس في كبد السماء، الهم خفي خفاء النور في ليلةٍ حالكة لا قمر فيها، لكن الحروف المتدفقة بعفوية مشهودة تبض به نبض النجم الطارق، يسمعه كل ذي أذنٍ منصتة، ويشعر به كل ذي قلبٍ يعاني مثلما عانت بطلة الخاطرة، فالصدق لا يلد إلا صدقًا، وما يخرج من القلب يدخل القلب.
بنية الخاطرة التي بين يدينا “رحم جديد للحياة” تقترب كثيرًا من البنية السردية للقص القصير التقليدي من حيث البداية والتأزم والنهاية، لكنها رغم ذلك تحتفظ بمهارة بروح الخاطرة وعنصرها الرئيس، تميزها بالتركيز على إبراز المونولوج الداخلي (حديث النفس للنفس) مع تضفير خفي وحداثي في الوقت ذاته؛ روح ضمير المخاطب، وذلك مرجعه إلى عمومية الفكرة (لحظة التوقف والتأمل فيما كان وكائن، والإرادة في التغيير)، وكذلك المحافظة – قدر الإمكان – بتجاهل عنصري الزمان والمكان، والاتكاء بقوة على سطوع الذات الداخلية والشجن الوجداني الحزينة نغماته، وأيضًا تقاربت مع قصيدة النثر من حيث تمكين الصور البلاغية، وقدرتها على انبعاث الموسيقى الداخلية:
(حين أنظر خلفي..
أرى أن موتي لم يكن فناءً..
بل بعثًا بملامح هادئة..
كنتُ أظن أن النهاية قاسية..
لكنها كانت رحمًا جديدًا للحياة)
(الآن والآن فقط…
أدرك أن الموت ليس نهايةً..
بل عبورٌ نحو ولادة فجرٍ جديد.
الصمت يلفني…
كأم تحتضن طفلها بعد بكاءٍ طويل..
أغفو في حضنه بلا خوفٍ…)
بينما تساعد الثنائيات اللفظية على تناغم خفي للإيقاع:
(التحرك/الصمت، أطفئ/أضيئ، الموت/الولادة، السقوط/النهوض…).
عبرت الكاتبة بكفاءة واقتدار عن الخيبة والانخداع في وجوه مقنعة تظهر خلاف ما تبطن، وعن التسلسل الدرامي المتأزم وبؤرته “الموت المعنوي”، ثم التصميم على التغيير الحتمي كضرورة لا بديل عنها للنجاة.
تحياتي…
الأديب محمد البنا