البنية الرمزية في مجموعة (وصال وستائر لا يبللها ماء)  للكاتب حسن علي البطران قراءة للقاص والناقد ساجد المسلماوي

مجموعة “وصال وستائر لا يبللها ماء” للكاتب السعودي حسن علي البطران تحتاج منا إلى تحليل يستند إلى تفكيك العتبات النصية، والبنية الكلية، والخصائص الأسلوبية والدلالية، في ضوء خصوصية جنس القصة القصيرة جداً. ويركّز البحث على آليات الاشتغال على التكثيف، والاختزال، والمفارقة، والانزياح اللغوي، بوصفها عناصر بنيوية فاعلة في نتاج أدب القصة القصيرة جداً، وبما يخدم المعنى غير المباشر والبوح الطفولي للمشاعر وانثيال الأفكار والصور.

نقوم هنا على تحليل نصي مباشر يستند إلى شواهد من داخل المتن القصصي، للكشف عن طبيعة النظام الدلالي الذي تبنيه المجموعة كمشهد عام يكشف عن تجربة الكاتب الجادة والحثيثة، والذي يقوم على ثنائية الإخفاء والانكشاف، وعلى مفهوم الوصال بوصفه أفقًا بعيداً أو مستحيلاً.

 

أفرز تطوّر القصة القصيرة جداً في الأدب العربي المعاصر تحوّلات بنيوية جليّة، تمثّلت في الانتقال من الاختزال الشكلي إلى بنية دلالية معقدة، تقوم على التقتير اللغوي، وكسر أفق المتوقع، وتكثيف الوظيفة الإيحائية للنص. وفي هذا السياق، لم تعد القصة القصيرة جداً معنيّة بسرد الحكاية أو بتنامي الحدث، بل باتت تشتغل على إنتاج لحظة دلالية مكثّفة، تستدعي قارئًا فاعلًا في عملية التأويل والبناء الفكري التصاعدي للثيمة.

وتندرج مجموعة “وصال وستائر لا يبللها ماء” ضمن هذا الأفق الجمالي، بوصفها تجربة تسعى إلى بناء رؤية سردية كلية عبر نصوص شديدة التركيز، لكنها مترابطة بنيويًا ودلاليًا. وننطلق هنا من محاولة تحديد أساليب بناء الدلالة في هذه المجموعة، من خلال تحليل العنوان، والبنية التقسيمية، واللغة، والرمز، ووظيفة الاستغناء أو الاستبعاد.

 

يمثّل عنوان المجموعة مدخلاً إلى عالم من الرمزية الموجهة والمبرمجة لجذب الانتباه واستدراج فضول المتلقي، يقوم على توتّر واضح بين مفهومي الوصال والقطيعة. فالوصال يحيل دلاليًا إلى الوضوح والتقارب، في حين تشير الستائر إلى الإخفاء والتواري وقطع الصلة، ويأتي نفي فعل البلل عن الماء ليقوّض الوظيفة الطبيعية لهذا العنصر بوصفه كاشفًا ومطهِّرًا.

ومن خلال هذا التركيب، يؤسّس العنوان لاشتغال تأويلي قائم على تقويض وظائف الأشياء، وتحويلها إلى إشارات رمزية قابلة للتأويل من خلال مفاتيح إيمائية رصينة ومقصودة. ويتأكد هذا المنحى الدلالي في النص الأخير للمجموعة، حيث يُعاد اجترار مفردة الستائر في سياق فاضح يكشف هشاشة القطيعة أمام حقيقة الانكشاف.

 

تعتمد المجموعة بنية انشطارية قائمة على ما أطلق عليه الكاتب “الستائر”، حيث تتوزّع النصوص على عشرين ستارة متتالية. ولا يقتصر هذا الانشطار على كونه إجراءً منظماً، بل يتجاوز ذلك إلى وظيفة دلالية واضحة، إذ تحيل الستارة إلى مفهوم الفصل البصري المؤقّت، وإلى إشكالية المواراة والكشف. وتعمل هذه البنية على تحويل النصوص القصيرة جداً إلى مشاهد رمزية متجاورة، لا تُقرأ بوصفها نصوصاً مستقلة، بل ضمن سياق بنيوي تراكمي تصاعدي.

ويظهر هذا الوعي البنيوي منذ الستارة الأولى، التي تنعتها حالات التردّد والقلق، كما في النص المعنون “ارتباك”، حيث يكتفي الكاتب بالعنوان بلا متن سردي، في اختزال حاد لحالة نفسية ووجودية تؤسس لعالم المجموعة برمتها.

 

تعتمد نصوص المجموعة على اختزال لغوي دقيق جداً، ولا يترك شاردة ولا واردة ولا زيادة تثقل على المتن، مما يجعل من الحذف والتكثيف مبدأين أساسيين في إنتاج المدلول. فالكاتب يتعمّد تقليص البنية على مستوى الجملة الواحدة إلى حدّها الأدنى، مع تحميلها كثافة رمزية عالية، ما يفضي إلى خلق فضاءات في التأويل تُسند مهمة ملئها إلى المتلقي الحصيف.

ويتجلّى ذلك بوضوح في نصوص تعتمد على مفردة واحدة أو تركيب مختصر جداً، كما في نص “أنا..”، حيث تتحول علامتا الحذف إلى مؤشر إشاراتي لانقطاع القول، وإلى إحالة مباشرة للسؤال عن الهوية والذات المنقوصة. وبهذا المعنى، لا يُعدّ الصمت نقصًا في القول، بل مكوّنًا أساسياً مؤثراً في بناء النص.

 

تبتعد المجموعة عن السرد للأحداث القائم على التسلسل الزمني وتنامي الوقائع، لصالح التركيز على إنتاج لحظة رمزية مكثفة. فالنصوص غالبًا ما تقدّم نتيجة أو أثرًا دون تمهيد سببي أو سياق حكائي واضح، كما في النص الذي يقول:

“تقف العجلة ثم تعاود الدوران.”

وتعمل هذه الجملة على استدعاء دلالات الزمن الدائري، والاجترار، والعبث، دون الحاجة إلى بناء مشهد سردي تكاملي. وبهذا يتحول السرد من نقل حدث إلى اقتراح معنى، ومن تمثيل الواقع إلى مقاضاته.

 

يعتمد الكاتب في عدد من النصوص على اليوميات وما هو مألوف وروتيني، لكنه يعيد توظيفها بعد تجريدها من سياقها الواقعي، لتحمل دلالات رمزية مفتوحة. ويتجلّى ذلك في نص “جدار بصورة حذاء”، حيث يتحول الحذاء من أداة استعمال وظيفية إلى علامة دلالية قابلة لتأويلات متعددة، من قبيل الجدب، أو الغياب، أو القهر الاجتماعي.

كما يتحول الجدار من عنصر حماية إلى مسرح لعرض علامات مهشّمة، في انقلاب دلالي لوظائف الأشياء يعكس رؤية نقدية للمجتمع.

 

الكاتب لم يوفر جهداً في إبراز معاناة الإنسان كمخلوق ذكي يتفاعل مع كل المؤثرات الخارجية، بضمنها نظرات الآخرين له وتوجساتهم وشكوكهم ومحاولاتهم الدائمة لتحميل الغير عبء انهيار القيم الأخلاقية والنوازع الإنسانية نحو العيش في عالم مسالم يعتمد على الوضوح والابتعاد عن الحجب والستر.

 

يشكّل الماء أحد الأركان الرئيسية في أفكار نصوص المجموعة، غير أنه يظهر سلبياً، مناقضاً لطبيعته. ففي جملة “ستائر لا يبللها ماء”، يُسلب الماء مقدرته على الكشف والتطهير، ويتحوّل إلى عنصر سلبي أمام قوة القطيعة. ويُعاد توظيف هذا المحور في النص الختامي للمجموعة، حيث يتكشّف زيف الحماية التي توفّرها الستائر، في إشارة إلى هشاشة كل أشكال التمويه أمام الحقيقة. وبهذا يتحول الماء إلى علامة على فشل الخلاص، لا على إمكانيته.

 

لو افترضنا خطاً بيانياً يمثل منتصفه المنطقة الصفرية وتندرج على يمينها إيجابية المؤدى العام للنص، فيما تندرج على يسارها سلبية هذا المؤدى، نجد أن نصوص المجموعة تراوح ضمن هذه المنطقة الصفرية ما بين الشعرية والسرد، دون أن تفقد انتماءها إلى جنس القصة القصيرة جداً لتوفر عنصر الحكائية والحدث المتنامي ربما.

ويتجلّى هذا التداخل في اعتماد الصورة المكثفة بوصفها أداة رئيسة في إنتاج الرموز الإيحائية، كما في نص “وردة ليس بها رائحة”، حيث تُستثمر الصورة الشعرية للتعبير عن حضور ناقص أو جمال بلا أثر. غير أن هذا الاشتغال لا يفضي إلى استسلام النص إلى الشعرية الخالصة، بل يحافظ على وظيفة سردية قائمة على الإيحاء والاختزال.

 

لا يقوم الغموض في هذه المجموعة على الإبهام أو الإيهام أو التعقيد المتعمّد بهدف الوصول إلى رصانة خادعة، بل يُوظَّف بوصفه استراتيجية دلالية تهدف إلى توسيع أفق التأويل. ففي نص:

“لا أبيض، لا أسود، وليس رماديًا.”

يُعلن رفض الثنائيات القطعية، وينفى حتى الخيار الوسطي، في تعبير مؤكد عن قلق معرفي ووجودي يتجاوز الموقف الأخلاقي المباشر، ليؤسس رؤية مرتابة إزاء اليقينيات الجاهزة والقوالب الجامدة والقديمة. ويُسهم هذا الغموض المنتج في إشراك القارئ في بناء المعنى، بدل تقديم دلالة عقيمة.

 

إن هذه المجموعة تمثّل تجربة ناضجة في كتابة القصة القصيرة جداً، تقوم على وعي بنيوي وجمالي واضح، وتؤسس رؤية سردية متماسكة تتجاوز النص المفرد إلى بناء نظام دلالي كلي. فقد نجح الكاتب في تحويل التكثيف والحذف من مجرد سمات شكلية إلى آليات فاعلة في إنتاج المعنى، وفي توظيف الرمز والستائر والماء بوصفها محاور دلالية انعكاسية تكشف هشاشة الوصال الإنساني واستحالة اكتماله.

وبإمكاننا الافتراض جدلاً أنها تكثيف لرواية كلاسيكية اعتمدت على ترابط جميع الفصول والأحداث… إلا أن النهاية هنا – ونقصد الصدمة العمومية التي يتحمل كاهلها المتلقي – جاءت مستقاة من الدلالة العامة للكشف والستر، وليست نتيجة لتنامي أحداث ودراماتيكية واضحة.

 

وتكمن أهمية هذه المجموعة في قدرتها على مساءلة الواقع والذات البشرية المشوشة من خلال نصوص شديدة القصر، لكنها عميقة الأثر، ما يجعلها إضافة معتبرة إلى منجز القصة القصيرة جداً في الأدب العربي الحداثوي، وتجربة جديرة بالدرس والتحليل في سياق تطوّر هذا الجنس السردي.

رجاءنا للكاتب المجتهد حسن علي البطران بمواصلة التقدم بالسلّم إلى أعلى، وصولاً إلى مستوى أعلى من النضج الفكري على مستوى التكثيف والاختزال.

القاص والناقد ساجد المسلماوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *