اللغة العربية بيتي وهويتي ل أ.د. سمير عبدالرحمن الشميري

اللغة العربية بيتي وهويتي وأداة تفكيري وتحليلي السوسيولوجي، ووسيلتي في إتقان حرفة الكتابة والتأليف وإنارة مضائق الأذهان، وإيقاظ الأفكار، وتنوير البصائر، وتفتيق الأذهان. إنها تسكن كل أرجائي، وتجعلني مندمجًا مع الشعر والأدب والفن والثقافة، ومع أهل الذوق والتبصر والبلاغة.

اللغة العربية مغموسة في كياني، تهمس نغماً، وبرنينها الأنيق تسكن خافقي ولبّي، وتلامس بأناملها روحي. فهي أداة تفكيري، نجد فيها سلامة الذوق واللذة الفنية والعاطفية والحسية، والصفاء الروحي، والنشوة النفسية، وجلوات الفكر، وإشراقات الروح. (اللغة هي القوة – حسب تعبير العلامة الجزائري عبدالحميد بن باديس).

ولا أرى مجالاً للريب أن اللسان أداة للاتصال والتفكير والحوار المهموس والمسموع، ونقل الأفكار والمشاعر والسرور والجذل والنشوة، والتعبير الرشيق، وتبليغ الرسائل الوجدانية والرمزية والعاطفية والإنسانية المتدفقة بالمشاعر النبيلة. أو في الضفة الأخرى تحمل معاني صدٍ قاسية نابية في الذوق وموحشة وبليدة، تكون مرآة للجمود العاطفي والاجتماعي، وللأمزجة المعطوبة والعقائد الفاسدة التي تفتقر للذكاء والموضوعية والحصافة واللباقة العقلية والاجتماعية.

“ومن غميس اللغة تنبجس الكلمة المهذبة والصادقة، والتي تحمل في طياتها مدلولات حضارية وثقافية ونفسية وتربوية وتذوقية وتهذيبية” – (فالكلمة الطيبة صدقة – كما قال رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم).

فاللغة رحبة تتسع للتعبيرات الرمزية والدلالية، وتعكس ثقافة الشعوب والأفراد والجماعات الاجتماعية. ومن يضيق صدره بالآخر ولا يجيد فن الحديث، لا يمكن أن يجيد فن الاستماع والجدل والمحاورات اللبيبة والمفيدة والممتعة، وبالتالي يقدم أفكاراً وتعابير ذابلة وصلدة.

إننا نصاب بكدر مرير عندما نقرأ ونسمع لغة جامدة ومبهمة، غير زاخرة بالذوق والجمال والعمق والنطاسة، وبدون مضمون ثقافي ومعرفي، عويصة الفهم، تنفر السامعين والمتمدرسين، خالية من نكهة التشويق وغير ملذوذة، تسلك سبيل التعسير ولا تحافظ على الرونق والجمال والسلاسة وملكة اللسان العربي.

فالأكفاء والفطراء أهل العلم والاقتداء والبلاغة لهم ملكة اللسان، يجيدون التعبير الشفهي والكتابي باللغة العربية من طراز رفيع. وأمراء الكلام وأرباب الأقلام يصبون سحرهم اللغوي في أفئدتنا، ويسكبون أحاسيسهم في وجداننا بلغة راقية مردوفة بجمال الأسلوب والرقة والطلاوة والسلاسة وكثافة الإبهار.

وهذا هو الأستاذ عبدالعزيز جاويش من أقطاب الصحافة واللغة العربية، ومن أعمدة الفكر والثقافة في مشرق القرن العشرين، يصول ويجول فصيح اللسان بليغ العبارة، يناجي قلمه بسحر البلاغة والفصاحة والكلام المحمود فيقول:

“أيها القلم: لو كنت سيفاً لأغمدتك في صدور من يحاربونك، أو سهماً لأنفذتك في أعماق قلوبهم، ولو كنت جواداً لوجدت لك ميادين النزال مجالاً للكر والفر. لكنك ذلك العود الذي أيسر ما ينال من عدوه أن يعالجه بالمبرد فيشقه أو بالأصابع فيكسره. فلتكن أيها القلم ما شاءوا لك. أما نائماً إلى حين أو ميتاً أبد الأبدين، فقد تركت عيوناً لا يغدوها النوم، وقلوباً لا تملكها اليأس، وأيدياً لا تخاف السلاسل والأغلال، وأرواحاً تفدي الحرية والاستقلال.”

سادتي الأجلاء وإخواني الفضلاء، إننا نحب اللغة العربية بروح إنسانية سامية بمنأى عن زوبعة الأهواء وبلاهة أهل الشطط والزيغ، فليس من شيمنا إزدراء اللغات والثقافات الأخرى، وتصعيد النعرات الشوفينية، والتحريض الفج على الكراهية والقطيعة والتهاجر الإنساني والتغطرس الفكري والمعنوي والقومي بلغة متحذلقة طنانة. إننا نحترم لغات وثقافات الشعوب، وضد التكلس والانغلاق وكماشة التضييق العنصري، ولا أبرح أدعو إلى المحبة والسلام والانفتاح والمثاقفة وفضيلة التسامح وسعة الصدر.

لقد كانت محقة الأديبة المرموقة مي زيادة حين قالت: “إنه من العيب علينا أن نرضى بديلاً عن اللغة العربية في كتاباتنا ومحادثاتنا وعلومنا. فلغتنا جميلة على مر العصور، وقد اكتسحت الشعوب وما زادتها الأيام إلا رونقاً ووضوحاً وبهاءً. فلنتكلم ما نشاء من اللغات بشرط ألا ننسى لغتنا.”

ولن ندع الفرصة تمر في اليوم العالمي للغة العربية دون أن نومئ إلى أن ثمة أقلاماً أثبتت فحولتها اللغوية والفكرية بلباقة مرنة ولسان فصيح، ومن جملة هذه الأقلام: أحلام مستغانمي.

أحلام مستغانمي أديبة مرموقة، مشرقة الطلعة، لطيفة الشمائل، مرهفة الحس، ندية المشاعر، وآية في البيان واللباقة العقلية واللسانية، مسكونة بالطيبة والرقة والجمال، ومفعمة بنقاء السريرة، تخترق كلماتها ستائر القلب.

بلغة بليغة وفريدة حافلة بالرهافة والجمال، تدغدغ الأحاسيس وتلامس أوتار الروح، تنثر في الفضاء العمومي ترنيمة بالغة الأثر عن اللغة العربية، تملأ الفم وتقرع الأذن وتوقظ جوامد النفوس وتنبجس منها نفحات العطر الزكية، زاخرة بالجودة والأصالة والمهارة وبعد النظر، ومغموسة باللذة الفنية، حيث تقول:

“سأظل أنحاز للعربية لأنها لغة قلبي، وعقيدتي، ولأنها وجداننا القومي المشترك، ولأنني لا أعرف كيف أقول كلمة ‘أحبك’ إلا بالعربية، ولا أطرب إلا لها، ولا تصيبني سهم الكلمات إلا إن كان من رمحها، ولا أبلغ حالات التجلي إلا في حضرتها.”

 

أ. د. سمير عبدالرحمن الشميري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *