منذ عامٍ مضى وأنا أكتب إليك دون جدوى.
كل رسالة بدأتُها بحماس وانتهت بخوف، كأنّ الكلمات تخشى أن تواجه الغياب.
كنتُ أتركها ناقصة على طرف مكتبي، أضمّها إلى أكوام الصمت التي تتكاثر حولي كل ليلة.
لكنني اليوم أكتب للمرة الأخيرة، لا لأنتظر ردًا منك، بل لأضع نقطة النهاية بيدي قبل أن تذوب الحروف في الغياب.
أتذكّرك دائمًا في ذلك الركن من القاعة، عيناك تتفحّصان الوجوه، وبيدك قلمك الأسود الذي لا يفارقك.
كنتَ تتحدث عن الأدب وكأنه حياة مفقودة، وعن اللغة كأنها كائن حيّ يتنفس بيننا.
لم تكن محاضرًا فحسب، بل كنتَ حياةً تمشي على هيئة مُعلّم.
أذكر حين التقت نظراتنا للمرة الأولى، شعرتُ أنني أمام نافذة تُفتح على ذاتي، وأن شيئًا ما سيتغير إلى الأبد.
في ظهيرةٍ رمادية، دعوتني إلى مقهى صغير بجوار الجامعة.
كان المكان يغصّ بالطلاب، لكننا كنّا نعيش لحظة صامتة لا يسمعها أحد.
قلتَ لي:
“الكتابة لا تحتاج شجاعة يا بنتي، بل صدقًا مؤلمًا.”
منذ تلك الجملة، صرتُ أكتب كما لو كنتَ تراقبني من بين السطور.
لا تخونني الذاكرة التي تذكرني بأنك كنتَ تصحّح لي نصوصي بعناية، وتضحك عندما أخطئ، وتقول:
“الخطأ بداية القصيدة، فلا تمحيه بسرعة.”
كم من مساءٍ بقينا فيه بعد انتهاء المحاضرات نتحدث عن نزار، عن دوستويفسكي، عن الحبّ حين يتجاوز اللغة، وعن الحرية التي تبدأ من أول كلمةٍ صادقة.
كنتَ تبعث فيّ حماسة غريبة، تجعلني أرى الكتابة طريقًا للخلاص لا مهنة.
وذات شتاءٍ بعيد، مشينا على الشاطئ، والرياح تلاعب أطراف معطفك البالي.
قلتَ لي وأنت تحدّق في الأفق:
“ننجو بالكتابة، فقط بها.”
لم أكن أعلم أنك ستغيب قبل أن تُكمل لي كيف تكون النجاة.
في صباحٍ مفاجئ، وجدت مكتبك خاليًا.
على الطاولة فنجان قهوة بارد، وورقة وحيدة كتبتَ عليها بخطك المائل:
“كي نكتب بصدق علينا أن نختفي.”
قيل إنك سافرت، وقيل إنك اعتزلت التدريس، لكن أحدًا لم يقل لي لماذا رحلت دون وداع.
حتى أنت!
منذ ذلك اليوم، صرت أكتب إليك رسائل لا تُرسل، أودعها في صندوق خشبي.
أستاذي العزيز،
هل تذكر حين قلت إن الذكريات لا تموت، بل تنام فقط؟
ها هي لم تنم بعد.
ما زلتُ أراك في كل نص أكتبه، في كل جملة أتهجّاها على ضوء المصباح القديم.
ما زالت كلماتك تسكنني كحنين نغمةٍ في مقطوعة موسيقية.
أغلق الآن هذا الدفتر، وأضع القلم إلى جواري.
ربما آن الأوان أن أتعلم الكتابة دون أن يكون اسمك في السطر الأول.
لكن قبل أن أنهي، أريد أن أقولها مرةً أخيرة:
شكرًا لأنك جعلت مني كاتبة.
وشكرًا لأنك علّمتني أن الصدق في الكتابة هو أثمن ما يمكن أن نتركه خلفنا.
وداعًا، أستاذي العزيز…
هذه رسالتي الأخيرة.
الكاتبة أميرة عبدالعظيم