في الليلة الأخيرة، وبين جدرانٍ أنهكها الصمت والانتظار، وقفت الأم تحدّق في وجه ولدها الوحيد.
كان الفجر يوشك أن يولد، والمركب يتهيأ للرحيل على الضفة الأخرى من الحلم.
قال أكمل، وصوته مزيج من العزم والحنين:
– أمي… مع أول خيط للشمس، سأخرج. المركب لا ينتظر أحدًا.
عانقته عيناها قبل ذراعيها، وردّدت بصوت يتشقّق من الألم:
يا ولدي، لم يعد في صدري مكان لفقدٍ آخر. رحل أبوك، ولحق به أخوك… ويكفيني ما تذوّقت من مرارة الغياب. لا أعرف أي أرض تقصد، ولا أي حياة ترجوك.
أجابها وهو يضع كفه فوق قلبه:
– أبحث عن الرزق الحلال… عن الحرية والكرامة. هل يُعقل أن أتخرج من كلية الهندسة لأجمع حبات العنب؟ جيلي كله ضائع يا أمي. اغفري لي، فلن أعود إلا إذا أصبحت الأرض ممهدة لخطوات الرجال.
أطرقت الأم طويلًا، ثم قالت بدموعٍ صامتة:
– كان الله معك يا قرة عيني.
وحين اخترق أول شعاع للفجر ستائر الغرفة، نهض أكمل، حمل حقيبته على كتفيه، وقلبه على راحتيه.
ودّع كتب الهندسة، ورفوف الشباب، وأيام الطفولة التي تركها معلّقة على جدران البيت.
قبل أن يغادر، توقّف أمام بيت ريم. طرق الباب بخفة، ففتحت، وفي عينيها كل الحكايات التي لم تُكتب.
أمسك يدها المرتجفة وقال بصوتٍ مبحوح:
– لا تنسيني… لقد رحلت من أجلك.
انفجرت بالبكاء، بينما الأم خلفه واقفة كجذع شجرة ضاربٍ في الأرض، مثمرة رغم العواصف، تمدّ غصنها الوحيد بالقوة.
قالت بصوتٍ متماسك عميق:
أنا في انتظارك، يا باشمهندس.
أغلق الباب خلفه، تاركًا عاصفة من الذكريات، ونظرات لا تنطفئ…
ومضى إلى حيث يشاء القدر
الكاتبة أميرة عبد العظيم