1 / توطئة :
من عبق المسرح وشذى الخطابة وعطر الأدب وفصاحة اللّسان،
دأب الدّكتور عبد الكريم بعلبكي على كتابة نصوصه الشّعريّة ليمتّع بها عشّاق الكلمة الحرّة،
قراءةً عبر صفحته الفايسبوكيّة وفي صفحات مجلة الفنون والإعلام،
أو استماعًا كلّما صدح بصوته الجهوريّ على ركح المسارح والفضاءات الثقافيّة في شتّى المناسبات.
فما بالك وهو سليل المدرسة اللبنانيّة الفكريّة العريقة بمجدها التّليد،
التي جعلت منه رائدًا من رواد الفعل الإبداعي في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج،
باعتباره صاحب مشروع إنسانيّ وحضاريّ كامل الأوصاف.
2 / التّقديم :
على طريقته، تفرّد الدّكتور عبد الكريم بعلبكي بأسلوب اختصّ به في كتابة قصائده،
وظلّ يصنع الحدث إبداعًا كلّما نشر شعره،
على غرار النصّ الشعريّ الذي تمتّعنا أخيرًا بقراءته،
لِـما فيه من سلاسةٍ ونضجٍ واختصارٍ.
ولكرمه وسخائه، فقد حرّره من رقابة العنوان،
حتى يهب للقارئ حرية الدخول إلى النصّ
ليتفسّح بين أروقة الأبيات الشعريّة ويستلذّ موسيقى وإيقاع الصور الشعرية
التي تلألأت في القصيد رغم اختصاره، حيث جاء في شكل قصيدة الومضة:
بين حجاب الفكر
وعودة الرّوح
قرأت صدق عينيك
لهيب ذاكرة،
ضباب ألم،
بقايا دمعة،
وبعض شغف.
3 / التّحليل :
كما ذكرتُ في ذيل التّقديم، فإنّ النصّ المراد تحليله ينتمي إلى قصيدة الومضة،
كنمط جديد من أنماط القصيدة العربيّة، وهي قصيدة النّضج والاكتمال،
لأنّها تستفزّ عقل المتلقّي وفكره،
وعلى قدر اختصارها، فإنّنا نجدها مفتوحة على عالم مترامٍ من التّأويل والتّحليل والشّرح.
وهي تحمل لمعانًا وتلألؤًا وبريقًا وإشراقًا وتوهّجًا،
وفيها إدهاش وتشويق، وتراوح بين الشفافيّة والغموض،
وتتجلّى ثريّة في معانيها بـ التّكثيف والاختزال والبلاغة في الإبهار والإيحاء والانزياح،
واستنطاق صورها ورموزها، وهي خلاصة القول:
“قصيدة الدّهشة” في أسمى معانيها الإبداعيّة.
ولمّا نستقرئ قصيدة الومضة هذه للدّكتور عبد الكريم بعلبكي،
ندرك أنّ النصّ جاء مكتمل العناصر السّرديّة رغم قصره.
فالإطار المكانيّ جاء مجرّدًا كالوحي، أو كالحلم،
يلوّح لك بين حجاب الفكر يمينًا وعراء الرّوح شمالًا،
حيث يتنافر الفكر المغطّى والرّوح المكشوفة في تضادٍّ إبداعيّ بديعٍ بنبض فلسفيّ.
ويوقّع الشّاعر عن فعله المركزيّ (قرأت)،
وهو الفعل الأوحد الذي تضمّنه القصيد وآرتكز عليه،
كما ترتكز الخيمة على وتدها لتضمن وقارها وهيبتها.
وقد أُسند الفعل إلى الضمير “أنا”،
ليؤمّن ذاتيّة وفرديّة فاعله (قرأتُ)،
ومن هنا يلوح الإطار الزّمانيّ الذي يشير إلى زمن الماضي.
أمّا المفعول به الذي وقع عليه الفعل فقد جاء متعدّدًا متوالدًا تباعًا،
ليعبّر عن الغاية والقصد، ويدفع القارئ ليسأل:
ماذا قرأ الشّاعر؟
فتجيبه أبيات قصيدة الومضة بتوظيف صورٍ شعريّة مخضّبة بالترميز والإيحاء برؤى إبداعيّة وفلسفيّة:
“قرأ شاعرنا صدقَ عينيها، ولهيبَ ذاكرةٍ، وضبابَ ألمٍ، وبقايا دمعةٍ، وبعضَ شغفٍ.”
ثمّ قد يسأل ثانية:
إن كان للعينيْن صدق، وللدّمعة بقايا، وللشّغف بعض، فكيف يكون للذّاكرة لهيب، وللألم ضباب؟
وهو سؤال يجمع بين الوضوح والغموض،
وهما من عناصر القوّة في قصيدة الومضة هذه.
وقدَرها أن تنتمي إلى قصيدٍ ميزته سهولة الكتابة وإعجاز الإدهاش،
أو هو باختصار كما قال النقّاد:
“الصّمت المقروء.”
ولهذا كلّه، أقدمنا على التفاعل مع هذا النصّ الشعريّ الذي أبدع في نظمه الدّكتور عبد الكريم بعلبكي،
وهو قصيد يستوجب دراسة أطول وأعمق،
لكنّي أردتُها إطلالة مختصرة على قدر اختصار قصيدة الومضة،
حتّى تكون خفيفة الظلّ على القارئ،
يفقه معانيها بعد أن يكون قد تمتّع بنصّ الدّكتور عبد الكريم بعلبكي.
أ. الناصر السعيدي