هامشٌ يتدرّب على محو نفسه للكاتب نضال الخليل

كان واقفًا، لا في مكان، بل في صدعٍ بين مكانين:
شقٌّ تسرّب منه وجوده كما يتسرّب الماءُ من بين أصابعٍ خائفة أن تعترف بأنها يد.

لم يكن ظلّه معه — الظلُّ الذي كان آخر دليلٍ على أن له ثقلاً ما في العالم.
تركه الظلُّ عند آخر ضوء، وعاد إلى عتمةٍ أنسب، كأن الظلَّ فهم قبله أن هذا الجسد لم يعد قابلاً للاتباع.

حمل أوراقه، أوراقًا ليست له، هي بقايا نصوصٍ كتبها الزمن على أطرافه ثم محاها.
حاول أن يكتب نعياً، لا ليموت، لكن ليمنح موته احتمالًا بسيطًا للظهور.
لكن الحروف كانت تتهرّب، تتقوّس، تتشقق، تتراجع عن مهمتها، وكأنها تخشى أن تُربط بتاريخ رجلٍ فقد حتى أهليته للموت المعلن.

أعقاب السجائر التي تراكمت عند قدميه لم تكن أثرًا عادياً، كانت حصيلة أعوامٍ من الاحتراق الذي لم ينتج حرارةً ولا نورًا، بل أنتج فقط هشاشةً تُشبه هشاشةَ القبور المطموسة.

حاول أن يبني قبراً من الرماد، لكن الرماد تذكّر نسبه إلى الهواء فرفض أن يستقرّ، رافضًا أن يحمل جسداً يتهاوى منذ زمن.

الوحدة؟
لم تكن هنا وحدةً تُقاس بكثافة الصمت، لكنها وحدةٌ تتقن فنّ التفريغ:
تُفرّغ الإنسان من نفسه، من صوته، من دوره، من زمنه، حتى أصبح لا يشبه إلا الأثر الذي لم يعد يملك أصله.

كان يتأمّلهم — أولئك الذين يفترض أنهم دمُه ولحمه — وهم يلتفون حول امرأةٍ لا يعرف مَن أنجبت مَن:
هل هي التي أنجبتهم أم هم الذين أنجبوا حضورها؟
كانت أصابعها تنسج حولهم شرنقةً محكمة، شرنقة تعترف بهم ولا تعترف به، كأنها توحّدهم ضدّ ما تبقّى من وجوده.

هو الخيطُ المقتلع من النسج، الخيطُ الذي أدرك النولُ أن بقاءه يُضعف اكتمال النسيج، فتمّ إسقاطه بلا صخب.

كان خارج المكان نعم، لكنه كان خارج الزمن أيضًا، زمنٌ يمضي من دون أن يتوقف ليضعه في خانةٍ ما:
ليس ماضياً، ليس حاضراً، ليس مستقبلاً.
كأنه البقعةُ التي يتفاداها التاريخ كي لا يضطرّ لشرحها.

سأل نفسه بصوتٍ لم يسمعه أحد:

  • هل يكون الإنسانُ خطأً لغويّاً حين ينسى العالمُ إعرابه؟

  • أم خطأً وجودياً حين ينسى العالمُ سبب مجيئه؟

كان يخشى الاقتراب من الشرنقة، لا خوفًا من الرفض، بل خوفًا من الاعتراف بأن الشرنقة اكتملت… من غيره.
خوفًا من أن يصبح اللمسُ نفسه نسفًا، خوفًا من أن يكتشفوا أنهم بخيرٍ تمامًا بدونه.

كان الليلُ يهبط على كتفيه كعقوبةٍ لا تُنفَّذ، وكان الهواءُ يتقلّص حول جسده، لا ليخنقه، لكن ليختبر مقدار الفراغ الذي يمكن للإنسان أن يسكنه من دون أن ينهار.

وحين أغمض عينيه، لم يكن ذلك انسحابًا، بل محاولةً لإعادة ترتيب الحقيقة:
أن الإنسان قد يصبح في لحظةٍ ما ليس منسيًّا، بل غير قابلٍ للتذكّر؛
ليس مهمّشًا، بل هامشًا بلا نص؛
ليس حيًّا ولا ميتًا… بل فراغًا يتشبّه بالحياة كي لا يُتهم العدمُ بالإسراف.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *